كلاسكيات مصرية

الخميس، 22 يناير 2026

عصر من الغناء

ربما ارتبط العصر الذهبي للموسيقى والغناء فى مصر بعبارة زمن الفن الجميل وهى مقولة لم تأت من فراغ أو لم يأت ذكرها على سبيل التباهى بعصر ولى وذهب وأصبح فى مخيلة الجميع مجرد ذكريات جميلة ، ولكن لكى نرثى أنفسنا على الثروة التى باتت مهدرة بالتلاشى ومهددة بالضياع ، مخزون فنى أصيل يكاد يذهب أدراج الرياح ، صحيح لكل عصر أوانه ومقوماته وذوقه العام الذى يحدد ملامحه وهويته وهو مايشكل فى النهاية مايعرف بالوجدان المصرى الأصيل الذى لايأتى إلا على خلفية ثقافية تعبر تعبيرا صادقا عن حال الأمة حيال كل حقبة زمنية معينةعاشتها مصر . ولأن الفن ماهو إلا انعكاس لهذه لثقافة  ولها التأثير المباشر على تشكيل وجدان الأمة ، لذلك اعتبرت مدينة القاهرة الجميلة منذ القدم مدينة الفنون والأداب ، والباعثة للنهضة الفكرية فى مصر حيث ارتبط تاريخها بمقومات أهلتها لأن تمتطى جواد الريادة فى كل شيئ ومنها الفن الذى جاء معبرا أيما تعبير لماضيها العريق بل  والملهمة لاجتذاب لكل المواهب الحقيقية ليست فى محافظات مصر فحسب ولكنها شملت أيضا كل البلدان العربية ، فأضحت القاهرة القلب النابض للعروبة .. قبلة للفن والفنانين  .. عاصمة أبوابها مفتوحة تستقبل المواهب العربية وتفتح أمامهم الفرص  للذيوع والشهرة حتى وصل الفن ماوصل إليه  من تقدم  ورقى ازدهر  فيها ازدهارا لامثيل له .  وبما أن الفن لا وطن له و ملكا للإنسانية فقد توفرت لهذه المدينة البديعة بعض الظروف المهيئة التي ساعدت على نهضة حضارية لا تعرف الحدود والفواصل ، تركت لنا تراثا فنيا رائعا عبر تطور مذهل شهدت به عصور تليدة مثبتة فى تاريخها الإنسانى كصفحات ناصعة  اقترنت اسمها بالحضارة والجمال . كل هذه العوامل جعلت القاهرة مدينة جاذبة لكل عاشق للفن والحرية أيضاً  ، ليصبح مجتمعها مجتمعا راقيا فى كل شيئ .. مجتمعا زاخرا بكل مقومات الثقافة الملهمة التى تميزت بفكر فياض خلاق ساعدت على تفجير طاقات وأحاسيس كل إنسان يعشق الفن والجمال لنتاج فنى أصيل ، أصولها  تعود لجذورنا الشرقية الرصينة ، وربما ساعد فى هذه الهيمنة التكوين الهندسى التى انبنت عليها مدينة القاهرة فى تركيبها المعماري الفريد الذى لم يتوفر لعاصمة أخرى فى العالم من حيث التطور المذهل الرائع الذى صاحبه فخامة فى مبانيها وانسيابا فى  شوارعها ونظافة طرقاتها حتى بدت أرضها كمسرح مفتوح على العالم ، بانوراما شكلتها عناصر راقية كثيرة من منتديات ، حدائق عامة ، مطاعم ، دور سينما ، مسارح ، ملاهي ومقاهى لاحصر لها غطت كل أحيائها تقريبا . فوجد الغناء  متسعا للإنطلاق  مما أدى دوره الكبير إلى انتعاشة فى إحياء الملاحم والسير الشعبية وفن الأوبريت والاسكتشات والصور الغنائية التى كانت تمجد بطولات مصر وتاريخها من خلال منتج فنى راقى اتسم بغزارة انتاجه بما يحمله من جماليات وتنوع فى المقامات الموسيقية والعُرب والطقاطيق وفن المنولوج والموال والموشحات وغيرها . كل ذلك استوعب قبول كل ماهو جديد من أصوات شابة واحتضانها فى عالم  ماكان يقبل غير سماع أساطين الفن أم كلثوم وعبد الوهاب . فإذا به يظهر على الساحة الفنية كوكبة من الملحنين وشعراء ومطربين ومطربات كثيرين عاشوا على أرض مصر ، وشكلوا وجدانها الفنى وأصبحوا نجوما تلألأت فى سمائها ، لتظل الجذورالفنية فى مصر متينة ورصينة لتشعر بمدى أهمية وجود هذه العاصمة العريقة. ولتؤكد أن وجودهم واستمرارهم فى الساحة الفنية كانت إضافة كبيرة لرقعة الفن التى زدات اتساعا وتألقا لأنهم أضافوا ولم يسيروا على خطى الأخرين فكان لابد للمطرب حينذاك أن يشق لنفسه طريقا فى الأداء ، وأن يحرص على أن يكون له بصمة صوتية خاصة به  تميزه عن أقرانه ، ينفرد بها دون سواه حتى تتعلق بها الأذان ، فيصير للصوت منسربا فى أفئدة مستمعيه  ، حتى تنوعت صور الغناء المصرى والعربى مما أثرى الذوق العام فى مصر وكانت هى سمة المرحلة الرحبة التى قيل عنها حقا أنها "عصر من الغناء" ، فضلا عن ذلك أن هؤلاء الفنانين كانوا يعملون فى الفن من أجل الفن لا من أجل المال والشهرة ، قصص طويلة وكثيرة لنجاحات جاءت بعد معاناة إثبات الذات والوجود ، تفرغوا للفن ولم يعرفوا غير سواه ولايشغلهم فى الدنيا غير إتقانهم فى الأداء حتى أعطاهم الفن كل شيء ، بل أهم شيئ هو حب الناس ، فالموهبة لاتشتريها الأموال ولكن من الممكن أن تبددها الأموال  ، لذلك تألقوا ورسموا البسمة على الوجوه حتى صاروا جميعهم عمالقة الغناء ، أغانيهم الأصيلة حتى اليوم تُطرب مسامعنا رغم مرور  زمن طويل عليها لكونهم أوصلوا فنهم بأحاسيسهم الصادقة ومشاعرهم الفياضة .. أصوات موهوبة مثل عبد الغنى السيد ومحمد فوزى ومحمد قنديل ومحمد عبد المطلب وكارم محمود وعبد العزيز محمود وهدى سلطان وسعاد محمد وغيرهم كثير ، كانت أصواتهم بلا رتوش ولا حليات ، لأن المطرب  أساسا كان يغني لحبه للغناء وليس بهدف الانتشار فلا وجود لآلات تساعد فى تعديل الصوت وتحسينه ، مثل الآلات الموسيقية الحديثة التى طورت التكنولوجيا استخداماتهابعوامل جديدة وتقنيات بخصائص حديثة لم يكن لها أية وجود فى العصر الذهبى للغناء ( التراكات ) أضفت عليه مسارات  مختلفة أثرت بشكل مباشر قى التوزيع الموسيقى والتجانس الصوتى ساعدت على تحسين الصوت وتحكمت فيه بل  وزاد من قيمته بمضاعفة طبقاته على غير حقيقة البصمة الأصلية للمؤدى فمنحت بعض هذه الأصوات المتحايلة على الغناء عدم مصداقية لبصمة أصواتهم الحقيقية. وإن كان هذا الزمن الراقى لايخلومن قصص ونوادر عن  معارك  فنية فإنه كان يذخر أيضا بالكثير من  الخلافات  التى تنافس فيها نجوم كانت تصل أحيانا  لدرجة  التعارك ، ولكنه  كان تعاركا من أجل صالح الفن  فى تنافس شريف لايبحثون فيه عن شهرة وإنما كانت غيرة فنية .                                                               

                                                                         

فى هذا الجو العام للفن فى مصر جاء عبد الحليم حافظ ولم يقلد أحدا قبله .. لم يقلد عبد الوهاب ولا أى مطرب آخر رغم قدرته على أن يطربك ويشجيك مثلهم ، ولكنه كان له طابع خاص .. لون معين من الغناء لم تعرفه مصر قبل ظهوره الذى تزامن مع مطلع عهد جديد .. ثورة يوليو المجيدة ، فسلك خطا فاصلا جديدا معبرا عن حقبة جديدة من الغناء تميزت بإيقاعاتها السريعة .. متنوعة المقامات مليئة بالأحساس المفعم فالتف حوله الشباب وأحبوه وأحبوا فنه ، إنها نقلة جديدة  أضافت إلى الرصيد الفنى الكثير بلاانتقاص . ثم توالت معه بعد ذلك نجوم جدد أخرين مثل محرم فؤاد وماهر العطار وسيد اسماعيل وكمال حسنى واحمد سامى ومحمد رشدى وعبد اللطيف التلباني وعادل مأمون والثلاثى المرح  وثلاثى النغم وغيرهم . ومن المطربين الذين زاع صيتهم فى مصر  وليسوا مصريين مثل فريد واسمهان وصباح ونور الهدى وطروب من لبنان ، وردة من الجزائر ، وفايزه أحمد وفهد بلان من سوريا ، ومحمد عبدة المطرب السعودى الكبير وعشرات من الأسماء العربية الأخرى التي انطلقت من مدينة القاهرة ولمع نجمها فى سمائها ، استفاد منها الفن المصرى الأصيل فى جميع مراحله المتعددة أيما استفادة منذ الثلاثينيات والأربعينيات وحتى الستينيات ، ثم أرخى سدوله فى السبعينيات لتهب عليها ريح التغيير المقيتة التى واجهت موجة من الانحسارلم تعهد بها مصر من قبل .   

                                                      

       

وأسفاه على هذا العصر الذى نعيشه الأن .. إنه عصر بلاهوية وبلا فن .. عصر شهد ظهور موجات من الأداء لاتمت للغناء المصرى بصلة ضاع معها ماكنا نسميه سلفا طربا ،  ذلك الموروث الحقيقى لفننا الذى ذهب ولم يعد، فقد جاءت الهجمات شرسة بموجات مخلوطة من هوس موسيقى أجنبية و شرقية خبيثة لاجذور لها .. موسيقى ليس لها أرض أوموطن أو سماء ، أتت لكى تنحدر بنا إلى التفاهات وتعود بنا إلى تراجع مخزى يؤدى إلى الانهيار .. أتت لتنشر فجأة براثن أخرى عقيمة ظهرت ولم نكن نعرفها أيام السلطنة والأمزجة العالية ، أدت إلى  انحدار  قيمى لافن فيه ولا إبداع سميت بالأغانى الشعبية أو  " بأغانى المهرجانات " لاتمت لماضينا الجميل بأية صلة، والتي أقل ماتُوصف بها أنها سطحية فى نوعية الكلمات والمحتوى .. ألفاظ فظة ومبتذلة غير لائقة تفتقر للمشاعر الرقيقة الهادئة.. موسيقاها تفتقر إلى العمق الفنى ، بل وتفتقد لكل المكونات المتعارف عليها منذ أزمنة بعيدة ، إذ بدت لاتعبر عن شرقيتنا فى عمومها.. آلاتها الصوتية صاخبة مثل (المنصات الرقمية الحديثة أو البوب الإلكتروني) التى يُنظر إليها على أنها "هوس بلا مقامات وبلا جمل لحنية التى تعودت الأذن الواعية الحساسة على سماعها ، وإنما تداخل غث فى العزف يؤدى إلى التنافر والنشاز  وإلى عدم الارتياح وهو مايؤدى فى النهاية إلى التوتر الشديد أو مايسمى بالهياج السمعى نتيجة للضجيج المتعمد الذى ينتهى به المقام إلى حدوث اضطراب وإنزعاج نفسى ، حيث يتم التركيز على الإيقاع القوى والمتكرر بدلا من التنقل اللحني بين المقامات الذى يظهر كفاءة الملحنين والمطربين وإبداعاتهم ، كل ذلك أدى إلى عدم وجود قيمة فنية وجمالية حقيقية ، بل عبث يفتقر إلى ضوابط تحكم مساراتها على عكس الفن الراقى الذى كان يرتكز على الجوانب الفكرية والعاطفية العميقة التى تُستخدم كأداة تعبيرية غنية في القوالب الطربية التى ارتبطت بذوق الجمهور العام إبان زمن الفن الجميل للغناء الذى كان يعتمد اعتمادا كليا على آلات التخت الشرقي كالعود والناى . إننا لانرفض التطوير ، بل نحن فى حاجة  إليه ، ولكن تطويرا  تقنيا يضيف لمجدنا القديم كل ماهو جديد بأن نأخذ من تقنيات العصر أفضلها ومن التطور التكنولوجى أحسنها حتى نطور ولانهدم ، ونقدم فنا راقيا أساسه أسلافنا الذين خلدهم التاريخ بموهبتهم العالية ومكانتهم الكبيرة ، كم نحن فى حاجة لهذا التطور لاستعادة منظومة الغناء فى مصر الذى يضيف إلى الرصيد الفنى والمعرفى الكثيرلتعود مرة أخرى لريادتها ومجدها التليد . 



مع خالص تحياتى : عصام                


                                   القاهرة فى يناير 2026