كلاسكيات مصرية

الثلاثاء، 16 فبراير 2016

خطوات على طريق الله ( الجزء الثانى )




لو قلنا أن الاشتياق سمة المحبين ، نكون نحن أكثر المشتاقين حظا أن الرحلة المباركة بدأت بزيارة المدينة المنورة التى بها الحبيب ، خطاوينا تعدو أمامنا ، كأنها من فرط تجاوب سعيها للمرام تريد أن تسابقنا ، وتلاحق بُعدنا النفسى المشبوب باللهفة ، والمشحون بالغبطة والسرور ، توليفة كاملة بين الإحساس بالجمال والرؤية المجردة للمكان ، اعتُملت بقياسات جديدة لقيمة التفاعل من نفس أحبت واستعدت وأرادت أن تخترق كل الأشياء أمامها ، بُعد المسافات ، السماء ، السُحب ، الأرض ، البحار ، الأودية والجبال ، حتى تبلغ مناها ، فنحن تمنينا لو أن الطائرة تخترق بنا  الحاجز الزمنى للإنتقال عبر سرعة قصوى .. أسرع من الضوء ،  لنذهب إلى النبى الصادق الوعد الأمين ، ونبقى فى رحابه ، لتتلاقى المعطيات البصرية بالدلالات الإيمانية المعنوية الشاحذة للإرتقاء ، الشفافة بالإنتقاء ، والشاحنة للحنين المصحوب بشوق مركب ومتراكم وموجود سلفا فى وعينا المعرفى لجمال المكان وحبنا الراسخ بوجداننا لرسول الله عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات ، فتكتمل عناصر التحرك المهيأة فينا بدنيا وذهنيا ونفسيا نحو الزيارة التى طالما رجوناها وطلبناها من العلى القدير . من هنا كانت البداية حيث توجهنا إلى الصالة الموسمية بمطار القاهرة الدولى ، وبعد ساعات طوال منتظرين ركبنا طائرة مصر للطيران متجهين الى المدينة المنورة . استغرقت الرحلة حوالى ساعة وثلث الساعة تقريبا ، وبعدها انهينا الإجراءات وركبنا اتوبيسا اتجه بنا مباشرة إلى الحرم النبوى ، وصلنا إلى المدينة مساء بعد صلاة العشاء ، كانت قلوبنا تدق بعنف من فرط سعادتنا ، وكلما قربتنا المسافات انخلعت منا وانتفضت شوقا وحنينا وحبا لزيارة مقام الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الذى تبعدنا عنه مجرد خطوات ، وصلنا إلى الساحة الخلفية لفندق دار التقوى انتركونتيننتل وهو الفندق الذى سنحل فيه ضيوفا مدة خمسة أيام بأربع ليالى ، واجهته  تقع أمام الحرم النبوى مباشرة ، قبالة باب دخول النساء وأقرب باب للرجال هو باب الملك فهد فى الجهة الغربية ، فإذا أعطيت ظهرك للفندق ، لوجدت نفسك أمام الحرم تجاه الروضة وقبرالرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة ، وهذه المنطقة هى أفضل منطقة حول الحرم من ناحية قرب المسافة والتطوير والعناية . وبوابة الفندق القريبة من مكان إقامتنا تطل على الباب رقم (23) مباشرة . تصادفت إقامتى مع الأخ الفاضل والصديق المحترم المستشار محمد عبد العظيم بسويت رائع يطل على الحرم من زاوية المسجد القديم الذى يضم مقام سيد المرسلين ، حمدت الله كثيرا أن جمعتنى الصدفة مع شخصية أنيقة ، رقيقة ، راقية ، دائمة الابتسام ، مهذبة ، ودمثة الخلق ، وخاصة أن طبيعة هذه الرحلة لاتحتمل بأن تكون الصحبة على خلاف ذلك ، والحق كنت متوجسا جدا من الإقامة مع أى أحد لاأعرفه ، وخاصة أننى كنت على علم أن من بين الرفقاء مايعُرف عنهم الإعتراض على الأشياء التى لاتصادف هواهم ، ويفتعلون المشكلات لأتفه الأسباب ، بل ويغلب دائما على فكرهم الريبة وسوء الظن ، وهى أشياء بغيضة ولا تتفق مع هذه الرحلة المقدسة التى قد لاتأتى إلا مرة واحدة فى العمر ، فخشيت أن تكون  إقامتى مع أحدهم وتمنيت كثيرا فى نفسى ألا يحدث هذا ، ويشاء الله أن يحقق هذه الأمنية التى لم أبح بها لأحد غيره . المهم أننا بعد أن تسلمنا البطاقات الممغنطة لفتح وغلق أبواب السويت ، صعدنا معا لنتعرف على الغرف ، وفى وقت وجيز وصلنا إليه بعد أن وجدنا امتعتنا قد سبقتنا ووضعت أمام بوابته ، دخلنا وتفقدنا المكان ورتبنا مواقعنا وامتعتنا ، ثم أخذنا الحنين لإلقاء السلام على الحبيب ، وخاصة بعد أن شاهدنا القبة الخضراء من النافذة وهى تعانق السماء متوهجة فى ضياء لامع كأنها قطعة من أحجار الزمرد الكريمة ، بهرتنا أنوارها وشدتنا إليها تلألؤها لقربها الشديد من محل إقامتنا ، حيث أن موقعها على مايبدو أمام أعيننا أنها لاتبعد سوى خطوات يسيرة ، تشجعنا ، ورغم التعب الذى بدأ يحل علينا ، قررنا النزول والفرح يملؤنا .

























 رغم وعثاء السفر الذى طالته ساعات طوال ، مابين الانتظار فى المطارات وانهاء الإجراءات وركوب الطائرة مما أجهدنا للغاية وأتعبنا ، إلا أننا أصرينا على الذهاب إلى الحرم الشريف شوقا وتطلعا ، توضأنا ثم انطلقنا الى رحاب المسجد النبوى الذى أخذتنا أنواره الشديدة اللامعة سحرا ، وبعمارته المميزة بطرازاته المختلفة جمالا ، ونظافته التى تفوق كل ماعداه ، وموقعه الفريد بوسط المدينة جعلته أشبه بلؤلؤة أنوارها  مبهرة تغازل العين من فرط جمالها ، ورغم حرارة الجو الخانقة ، إلا أنك لاتشعر به فى جو الحرم ، فهو مغسول دائما برزازات الماء النقى أو بخار الماء الندى المنتشر فى المكان بفعل المراوح الرشاشة . دخلنا إلى ساحة الحرم المغطاة بالخيام الالكترونية ذات الشكل الجميل المتناسق الجذاب ، حتى بلغنا باب الملك فهد وقبيل مدخله بحوالى خمسين مترا هبت علينا نسائم أخرى عليلة ، حيث تحس بانتعاشة أخرى أثر تدفقات التكييف المركزى المرسلة خارج المسجد بعد أن أجزلت العطاء بسخاء داخله وكفت ، ثم تشعر به أكثر لو جلست بجانب الأعمدة لأنها تأتى مندفعة من أسفلها ، لذلك جلسنا بجانب إحداها بعد أن تجاوزنا الباب لمسافة معقولة داخل المسجد الفسيح كى نستريح بعضا من الوقت نقرأ خلالها مايتيسر لنا من القرآن منتظرين حتى تهدأ حركة الناس ونتمكن من الدخول فى رحاب رسول الله ، كى نمتع أعيننا ونملؤها بمشاهدة روعة المكان الذى استشعرنا بقيمة اعتابه الطاهرة ، وعمارته المتميزة الشريفة ، فالأعمدة والتيجان كثيرة صُممت بأكثر من تصميم ، مجموعة منها تم بناؤها من الحجر الأحمر المغطى بطبقة من الرخام المزخرف بماء الذهب ، عليها عقود تحمل أعلاها قبابا ، وأخرى صممت بشكل متناسب ومتناسق مكسوة بالرخام الأبيض المستدير، تعلوها تيجانا من البرونز بزخارف إسلامية بديعة ، فى داخلها مكبرات للصوت وتحوطها فوانيس إضاءة فسفورية ، وفى قواعدها فتحات مغطاة بشبك نحاسى مذهب يخرج منها الهواء البارد القادم من محطات التبريد المركزية . بانوراما مذهلة حيث يضم المسجد أعدادا هائلة منها مقسمة على أجزاء ، وبأشكال مختلفة ، غير أن تصميم الجدر فى توسعات المسجد أخذ شكلا واحدا ، مع اختلاف ألوانها ، فكل جزء كان يفصله عن الأخر بلون حوائطه ، وهو مايدل على وجود فواصل زمنية لتاريخ بنائه ومن قام بتوسعاته سواء من الأسرة الحاكمة أو ماقبل ذلك مذ عهد النبى وماتلاها من عصور الخلافة ، وهذا البناء العظيم رغم اتمامه على فترات متباعدة فى تنفيذ توسعاته ، إلا أنك تعجب فى الألتزام الصارم بوحدة مكوناته وتناسقه ، وخاصة فسحته السماوية التى لم تكن بهذا الحجم ، التى هى عليه الأن ، من حيث تميزها بالقباب الألكترونية التى تتحرك لتغلق كل المساحة التى تحتها مابين وقت الظهيرة إلى قبيل المغرب مباشرة لتترك بعد ذلك للقبة السماوية نصيبا وافرا من إرسالها عطاءات السماء لهذا الفيض الروحانى الذى لاتحسه يحيط بأى مكان سوى مسجد سيدنا رسول الله . سبحان الله الجو هنا جعل قلوبنا تشعر بالخشوع والرهبة والسكينة المفعمة بمشاعر الفرح المختلط بالشوق لصاحب هذا المكان ، وها ذا قبر النبى ، وهذا مصلاه ، وهذا منبره ، وهذه هى الروضة الشريفة التى قال عنها سيد المرسلين " مابين منبرى وقبرى روضة من رياض الجنة".  كلها مكونات تهز النفس اهتزازا ، جعلتنا نستعجل جلستنا انتفاضا وتشوقا تقودنا أقدامنا نحو المسجد القديم ، حتى نكون على مقربة أكثر من الحبيب المصطفى ، وهنا قمنا بصلاة ركعتين تحية المسجد ،  وأكثرنا من الصلاة على النبى العدنان صلوات ربى وسلامه عليه ، ثم صلينا المغرب والعشاء قصرا جمع تأخير ، بعدها بدأنا فى التحرك تجاه باب السلام حيث المبنى القديم للمسجد الحرام لتأدية ما جئنا من أجله غير الصلاة وهو زيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، دخلناه بسلام ، بعد أن ألقينا السلام بداية ونحن نستقبل أولى دفقات السكينة والوقار والدخول هنا بخشوع تام إجلالا للزيارة الكريمة ، فإذا بنا نجد أنفسنا أمام زحام شديد لايحتمل ، تيار من البشر كلهم مندفعين نحو الأمام ، مندسين فى بعضهم البعض ، ومحشورين فى أضيق الأمكنة ، حتى أصبحنا فجأة جزءا من هذه الكتلة البشرية نتحرك دفعا ، وإلى الإمام منساقين ، ورويدا رويدا زحفنا نحو الروضة الشريفة المفروشة بالسجاد الأخضر ، الأمور تتصاعد والزحام يشتد ويبدو أن الوصول سيكون صعبا للغاية وبمشقة بالغة ، ولكن كلما تقدمت بنا المسافات وتقربنا هنيهة ننسى الزحام وننسى أنفسنا وننشغل فقط بتحقيق الهدف الذى سعينا من أجله ، ومع تقدم خطواتنا اليسيرة نحو الروضة ، كانت أرواحنا تنخطف ، وقلوبنا تخفق بشدة حتى كادت أن تنخلع منا ، والأقدام تريد لو سابقت خطاويها لتجرى مسرعة حبا وشوقا لرسول الله ، وياحبذا لو غافلنا الحراس واستطعنا أن ننفلت من الحواجز المتحركة التى تحيط بنا ، ولكن من الصعب أن تغافل الحراس فهم كثيرون ، ومن الصعب أيضا أن تكسر الحواجز فهم الذين يحركونها ، فضلا عن أنها صُممت بإِحكام ، ولكنه العقل الذى يحاول أن يرتقى بالموقف ويجاهد ويفكر وينشغل بكيفية الوصول ، إنما الواقع يقول أننا لازلنا منساقين فى شكل مجموعات كل مجموعة تسلم الأخرى المكان ، وتذهب للمكان الأعلى مقاما والأكثر قربا للحبيب المصطفى ، ولما جاء الدور علينا استغرقنى التفكير مرة أخرى ، ولكن فى هذه المرة انشغل فى كيفية الدعاء ولمن سندعو ، وبأى كلمات وأى عبارات تليق بهذا المقام العالى ، فالموقف أكبر من أى كلمات وأبلغ من أى عبارات ، والحقيقة لم أجد مايسعفنى من كلمات ربما لضيق الوقت والمساحات ، أو هكذا بررت لنفسى عدم رضاها عن تقصير غير مقصود ،  وتمنيت فى إلحاح بالغ أن يمن الله علىّ بفيضه بما تجود به الذاكرة حتى أدعو دعاء خالصا ، لأننى على يقين جازم أن الرسول يسمعنى ويرد علىّ ، فهو حى فى قبره ، يسمع كل من يلقى عليه السلام مهما خفض به صوته ، ويرى كل من يقف أمامه ولو للحظات يسيرة ، ومهما تجاوز عددهم الملايين ، فإنه يرد على كل واحد بذاته وكأنه الزائر الوحيد الموجود داخل المسجد .




















كنت حريصا ألا أنسى أحدا ممن أمننى أن أدعو له ، وشغلت نفسى مجددا واجهدتها كثيرا فى كيفية إفراغ الامانات التى استودعها لدى أصدقائى وأحبابى بعد الدعاء لأولادى وبيتى وأهلى . حتى وصلنا لغرب منبر رسول الله والروضة الشريفة ، وهنا شعرت بخفقان فى القلب وشعور طاغى بالفرحة المشوبة برهبة المكان ، فكل من يقف فى هذه البقعة الطاهرة وفى هذا المكان تحديدا بالروضة الشريفة سواء عند المحراب أو عند منبر رسول الله يعلم ويستشعر ويوقن أن هذا المنبر هو المنبر الذى كان يقف عليه سيد المرسلين بقدميه الشريفتين ليدرك هيبة المكان وعظمة الموقف ، وأن هذا المحراب كان يشرُف بركوع وسجود وجهه الكريم على أرضه الطاهرة عندما يخلو بنفسه ، وعند القيام بإمامة المسلمين فى الصلاة ، كما كان يباشر منه إدارة الدولة الإسلامية ووضع أسس دعائمها ومنهاجها الذى انتهجه من كتاب الله المنير ونزلت عليه آياته المدنية تباعا من هنا ، فرسم بها طريقها بوضع المنظومة الأخلاقية والقيمية والعبادات ووسائل التشريع والحدود والفرائض وبيان المعاملات والأمورالتى تختص بقواعد الحكم وأمورالتعامل فى حالات الجهاد والسلم وكيان المجتمع ونظام الأسرة ودعوة أهل الكتاب للإسلام ومخاطبتهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، وغيرها وغيرها من أمور الدولة والدين ، ثم استكملها صلى الله عليه وسلم بسنن رسالته السامية التى استقت وتوافقت واتسقت مع كتاب الله وخلقه العظيم ، حيث كان يجلس صلى الله عليك وسلم فى نفس هذه البقعة التى نقف عليها الأن مع أصحابه رضوان الله عليهم للتدبر وللتشاور معهم فى أحوال المسلمين وحل مشكلاتهم التى كانت تعترض حياتهم . ياله من فخر وجمال أن تتصور بأنك تضع جبهتك مكان جبهة رسول الله وقدميك مكان قدميه ، ألا يكفى فخرا أنك واقف فى المكان الذى انطلقت منه الدعوة الإسلامية السامية وبناء دولتها العظمى مذ عهد النبى وصحابته رضوان الله عليهم ، مارا بكل العصور حتى اليوم ، يالها من عظمة تستشعر بقوة ورهبة المكان  ومدى تأثيره على أى نفس تركع أوتسجد أو تقف متأملة كل شيئ فيه ، إنه موطن الأمانة واستكمال الرسالة بعد الهجرة وإرساء قواعدها التى نحيا عليها حتى الأن . يالها من روعة أن الإحساس العميق بالمكان جعل أنوار الروضة النبوية الشريفة تخطف الأبصار وتستحوذ على الأفئدة وكل المساحات الموجودة فى النفس ، فصرنا مبهورين مشدودين مرهوبين خاشعين مما جعلنا ككل هذه الأنفس التى ضج بها المكان صافية من كل كدر ، نقية من كل شائبة ، بريئة من كل عيب ، ياالله ماهذا الصفاء النادر والسمو العالى والسعادة الغامرة التى نحسها هنا الأن وقد مكننا الله من تأدية صلاة ركعتين بل أربع فى هذه البقعة المقدسة أمام المحراب ، إنه لشرف كبير مابعده شرف ، ومع كل هذا الفيض إلا أننا مازلنا متعطشين للوصول لمنزل السيدة عائشة وزيارة سيد العالمين وصاحبيه المكرمين أبو بكر وعمر رضى الله عنهما ، فهنا لاتستطيع أن تملك نفسك ولا تسيطر على مشاعرك . انتقلنا للمرحلة الأخيرة من مراحل الحواجز المتنقلة ، حيث وصلنا للممشى الضيق ، السير فيه فى طابور إجبارى ، وماهى إلا لحظات يسيرة حتى وجدت نفسى واقفا أمام المقام الشريف للرسول الكريم سيدنا وسيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فأقرأته السلام مرددا " السلام عليك يارسول الله صلى الله عليك وعلى آلك وسلم ، السلام عليك يا حبيب الله ، السلام عليك ياحبيب الرحمن ، وهنا وجدت لسانى يتلعثم كأنه فقد النطق والعقل توقف تماما عن استرداد الكلمات فضاعت منى وتاهت ، ولم أجد مايسعفنى منها غير ترديد ماقلته مرة ثانية وثالثة ، فالموقف مهيب والأدب جم رفيع ، حيث استشعرت بوجوده وكأنّه أمامى ينظر لى ، ولم أشأ أن اتخيل الهيئة التى يبدو عليها رسول الله ، فهذا فوق قدرات وتصورات أى أحد مثلى ، إنما استشعرت وجوده بهيبة الموقف وجلال المنح الربانى أن قدر الله لى الوقوف أمامه من عند رسول الله ، فأى شيئ يستحق أن تتمناه النفس وترضى به بعد هذا الموقف الجليل والمنح العظيم الذى ألجم لسانى  ، وأجهش بكائى بعد أن فاضت الدموع وكفت ، أدبا واحتراما وإجلالا لمن كان خلقه القرآن ، وكان بالمؤمنين رءوف رحيم صلى الله عليه وسلم ، فالوقوف فى حضرة أعظم مخلوق فى الكون ومنقذ البشرية من الضلال له رهبة ترتجف له الأبدان وتقشعر، فلطالما كانت القلوب تتلهف شوقا ، والصدور تتثنى خشوعا ، والعيون تتعلق جمالا ، والنفس تتوق وجدا ورفعة أن تحوز يوما بقيمة هذا الموقف وهيبته حبا وامتثالا لحبيب الرحمن الذى أدبه فأحسن تأديبه ، وعلمه فكان خير من علم البشرية . وها أنذا أعيش الحلم ، ومن فرط الفرحة نسيت كل شيئ ، وضاعت منى الكلمات ولم يبق غير أحساسى بالتقصير ، فاستغفرت الله كثيرا ورفعت أكف الضراعة للسماء طالبا العفو عن هذا التقصير المفاجئ داعيا وراجيا أن يتقبل منى مايعلمه بداخلى ولم يستطع لسانى أن يترجمه وينطقه ، وأن يغفر لى نسيانى وقلة حيلتى وقصر ذات اليد . لم يستغرقنى الوقت كثيرا حتى  تحركت خطواتى قليلا لأقف أمام قبرى صاحبيه اللذين سارا على هديه ونهجه واقتفيا دربه ، الخليفتين الراشدين أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما وألقيت عليهما السلام ودعوت لى ولهما ماتيسر من أدعية  ، وبعدها اتجهنا نحو باب البقيع بعد دعوة الحراس المتكررة للخروج وإفساح المكان لأخرين ، والتزاما بالتعليمات التى رأينا أنها واجبة كى يستمتع غيرنا بما استمتعنا به نحن ، خرجنا ممتنين فرحين بزيارة الحبيب . وهكذا فعلنا فى صلاة الفجر ، ولكن بتؤدة ، لأن معظم الناس كانوا يتوجهون إلى المقام الشريف بعد تأدية الصلاة مباشرة مزاحمين ومنازعين بدفع شديد ، لذلك آثرنا الجلوس فى الباحة السماوية التى نرى منها القبة الخضراء ، هذا المنظر الذى لا يمكن أن ينسى ، فهذه القبة هى التى تضم جسد النبى عليه الصلاة والسلام ، استلمنا القبلة لنقرأ مايتيسر لنا من القرآن الكريم إلى نحو ساعة من بعد صلاة الفجر ، إذ لا بد أن نبقى ساعة من الزمن على الأقل ، أدينا خلالها صلاة النافلة التى كنا نحاول أن نستكثر منها لأنها فرصة فالصلاة فى مسجد رسول الله وساحاته تعادل ألف صلاة فيما سواه ، ونحن هنا وفى واجهة النبى عليه الصلاة والسلام ، فلاأجمل ولاأروع منها صلاة ودعاء ، كنا نفعل ذلك كثيرا فى الأيام التى مكثنا فيها بالمدينة ، فالتواجد بالحرمين الشريفين تجعلك تشعر بالروحانية والأمان ، غير أنك فى مكة تشعر بالجلال ، ولكنك فى المدينة تشعر بالجمال ، ياله من جمال .




























وفى فجر اليوم التالى عقدت النية  لزيارة البقيع بعد تأدية صلاة الفجر، وزيارة النبى صلى الله عليه وسلم اليومية ، ذهبت بمفردى ، والبقيع مكان قريب لمسجد رسول الله القديم ، الطريق إليه سهلا وميسرا ، وصلته عند شروق الشمس ، وبعد أن تجاوزت البوابة الرئيسية ، قمت بتأدية تحية المكان كزائر لمنطقة قبور : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، اللهم اغفر لأهل البقيع ، اللهم اغفر لنا ولهم " ثم ندعو لعامة أهل البقيع من الصحابة والصحابيات الذين نعلم أنهم قد دفنوا فيه أو غيرهم من العوام الذين لانعرفهم ، فالمكان فسيح ويضم شواهد كثيرة . الجو هنا كان رائعا ، والمشهد أكثر روعة وجمالا ، وخاصة منظر الحمام وهو يطير ويسرح فى المكان ، المنظر يسحرك ويأخذك إلى أماكن رحبة . بدأ الناس يتوافدون فرادى وجماعات ، يقفون فى خشوع أمام اللحود الكثيرة ، تسبقهم تساؤلاتهم عن اسماء المقبورين ، ولكن الحراس لم يردوا بإجابة محددة ، وربما معهم كل الحق ، حتى لايتمسح البعض بهم ، أو يتلمسون البركات منهم ، أويطوفون بأئمتهم ويجلسون على قبورهم ، أو غير ذلك من منكرات انتشرت بين الكثيرين ، وخاصة أن هناك من لديهم معتقدات كثيرة تسوقهم لهذه الأفعال التى نهى عنها الرسول ، أتممت الزيارة ، وخرجت من البقيع للفندق كى أتناول طعام الإفطار مع الصحبة الطيبة فى مطعم الفندق كما تعودنا ، وهناك تم طرح فكرة استئجار سيارة ميكروباس لمن يريد الذهاب إلى مسجد قباء أو مسجد ذات القبلتين وهو المسجد الذى تم فيه تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ، وتعتبر زيارته مستحبة استحبابا مؤكدا ، أبدينا رغبة فى الذهاب معهم ، وبعد أن اتفقنا مع صاحب هذه الدعوة الطيبة بأننا سنكون معهم ، صعدنا للغرفة كى نستعد ، تردد المستشار محمد فى الذهاب وآثر أن يستريح قليلا قبل صلاة الظهر ، وحاولت أن أقنعة بأن زيارة هذا المسجد مستحبة وكونها أول مرة له فإنه سيحبها وسيداوم عليها بعد ذلك ولن يترك زيارته أبدا كلما جاء فى عمرة . اقتنع بعد أن استغرقنا بعضا من الوقت فى حوار الذهاب من عدمه ، ونزلنا إلى ساحة الفندق وجدنا السيارة قد غادرت بعد أن اكتمل عددها ، وبدت  علامات الضيق تتملكنى وتظهر على ملامح وجهى حاولت قدر الإمكان إخفاءها ، واستدرت متخذا طريقى للعودة إلى الغرفة ، لكن المستشار محمد أصر على الذهاب وقال مادمنا عقدنا العزم ونزلنا فلنذهب ، استوقفنا سيارة أجرة ، واتفقنا مع سائقها على الذهاب والعودة ، ثم ركبنا وانطلقت بنا السيارة فى شوارع المدينة الهادئة الرحبة ، المنظمة غاية النظام ، حيث لم نشعر بالطريق البته لسهولة مسالكه وعدم ازدحامه ، فضلا عن تميز جماله بالنخيل الذى كان ممتدا على حافتيه بطول المسافة المؤدية للمسجد ، ناهيك عن المساحات الخضراء الكبيرة التى استحوذت مزارع النخيل والبساتين على أكبر قدر منها ، وتذكرت على خلفية هذا المنظر الجميل يوم أن كنت فى نفس هذا المكان من قبل عامين تقريبا عند أخر زيارة لأداء العمرة ، وشاء لنا الله أن ندخل إحدى هذه المزارع ، يومها استقبلنا أصحابها بترحاب شديد ، وببشاشة وجه معهودة لدى معظم أهالى المدينة ، مما جعلنا نشعر بالارتياح ممتنين خجولين من أسلوب استقبالهم الرائع ، وبعد أن قوبلنا بهذه الحفاوة الكبيرة قدموا لنا أنواعا كثيرة من التمور المعدة فى الصناديق المتراصة على المناضد ، ودعونا لنتذوق حلاوة طعمها ونأكل منها ماشئنا ، مع تقديم مشروب الشاى والقهوة الخضراء المحوجة بالحبهان ، دون التقيد بالشراء ، فقد عُرف عن أهل المدينة كرم الضيافة ، وحسن استقبال الغرباء . استلفتنى نوع من التمر كان الكثيرون يتهافتون عليه ، وسألتهم عنه حتى عرفت أنها التمرة التى كان يتناولها النبى صلى الله عليه وسلم بل ويفضلها عما سواها . ووجدت نفسى شغوفا لرؤيتها ورحت مزاحما مع المزاحمين لأجد أحد العاملين بالمزرعة يقف أمام مشنة من الخوص مملؤة بتمور مستديرة صغيرة الحجم سوداء اللون ، ليشرح للواقفين أمامه قصتها ، وسر ارتفاع ثمنها ، حيث أكد أن هذه التمرة تحظى بعناية خاصة عن الأنواع الأخرى  ، وأنها تسمى تمرة العجوة ، لاتنبت ولاتثمر إلا فى هذه التربة المباركة ، يأتى إليها المسلمون من شتى بقاع الدنيا ، قاصدين إياها لاقتنائها تيمنا بالرسول صلى الله عليه وسلم الذى كان حريصا على غرس شتائلها وتناول ثمارتها ، مؤكدا بإسهاب كيف تأخذ منهم مجهودا كبيرا ، ورعاية خاصة فى زراعتها ، ثم متابعة فائقة لانباتها وريها وتخصيبها لما لها من قيمة روحية ارتبطت بها وثمنتها الأحاديث النبوية الشريفة ، مددت يدى والتقطت منها حبات وأكلتها ، ووجدت فعلا أنها تمرة مميزة عن غيرها من التمور فى حلاوة الطعم وجمال المذاق ، فعاودت وأخذت حبات أخرى تناولتها بنهم ، ثم ارتشفت فنجانا من القهوة ، استمتعت بنكهته الشهية ، المميزة برائحة الحبهان العطرة النفاذة . ثم اتجهت خارج الخميلة لأتفقد بقية المزرعة فاسترعى انتباهى مساحتها الشاسعة وكثافة النخيل فيها ، إذ كان اصطفافه فى تناسق ، ممشوقا إلى أعلى بتساو ، وكأنه يريد معانقة السماء ، وسرحت فى قيمة المكان وفخامة وجمال النخيل ، وقلت لنفسى أليس هذا النخيل هو الذى كان موجودا فى عهد النبى عليه الصلاة والسلام ، فمعروف عن النخيل أنه معمر وقد تتجاوز أعماره ستة آلاف عام ! إذن فإن الذى أراه مصطفا أمامى عايش وشاهد وعاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شيئ رائع أن تتعايش وتتواءم فى أجواء روحانية لها صلة بسيدى رسول الله ، وترى أشياء رآها وحظيت بعنايته .



















وعدت لتوى من شردتى الذى شغلتنى بالنخيل والتمور والأرض المباركة والمساحات الخضراء من مزارع وبساتين على رؤية المسجد الذى أصبح مشهده على بعد خطوات يسيرة من مرمى بصرنا ، لقد وصلنا له فى وقت وجيز ، المسجد لونه أبيض يضم أربع مآذن وست قباب رئيسية كبيرة ، وواحد وأربعين قبة صغيرة غطت بها سقفه متراصة بجانب بعضها البعض ، وباحة واسعة فى وسطه مطلة على السماء ، سررنا برؤيته وأن الله قد من علينا بزيارته وجعل لنا نصيبا فيها وخاصة أن هذا المسجد كان النبى يفضله ويحبه وله خصوصية كبيرة عنده صلى الله عليه وسلم ، حيث ثبت فى الأثر عن النبى أنه كان يزور قباء كل سبت راكباً أوماشياً ، وقال: من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان كعمرة . وها نحن وصلنا لساحته ، تركنا السائق منتظرا ، ودخلنا المسجد بكل وقار واحترام ووقَفنا بين يدى الله وأدينا ركعتين ، كما قمنا بالصلاة لأولادنا وأحبابنا لكل فرد ركعتين باسمه بنية أن تحتسب لهم بأجر عمرة ، أوهكذا تمنينا من القلب أن تكون من نصيبهم ويأخذون ثواب أجرها ، ثم جُبنا المسجد للتعرف على آثاره الخالدة فى النفس والمرتبطة بالهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة واستقبال أهلها العارم لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومشاهدة أثر القبلتين اللتين شهدتا التحول التاريخى والإسلامى العظيم من قبالة المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ، وعند مرورى وسط المسجد حانت منى التفاتة عارضة ، فإذا بى أرى عمودا فى نهايته كرة مُضاءة كتب عليها : " طلع البدْر علينا من ثنيات الوداع " ، وثنيات الوداع هذه هى المنطقة التى لازلنا نقف فيها متأملين ، قرأت النشيد الذى ارتبط بهجرة المصطفى وربطته بمشهد الصحابة وهم يستقبلونه به ، إنه نشيد عفوى صادر من قلوب أحبت ووعت بقيمة الرسالة ، وتخيلت كيفية الاستقبال بتصور عقلى وأنا واقف فى البقعة الطاهرة الخالدة التى شاهدت الحدث ، لقد كان خير استقبال لخير مبعوث للعالمين صلوات ربى وسلامه عليه ، حيث أُمر بالهجرة من مكة مسقط رأسه ، فجاء قاصدا هذه المدينة بأمر إلهى وبوحى من السماء بعد أن عانى قسوة أهل بلدته ، ورغم أن مكة المكرمة كانت أحب بقاع الدنيا إلى قلبه باعتبارها وطنه الأول وشهدت مولده ونشأته إلا أنه اختار المدينة ، البلدة التى آمنت برسالته وناصرته وآوته وآذرته وكانت سببا حقيقيا فى نشر الإسلام ، بسم الله الرحمن الرحيم : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " صدق الله العظيم ، وبعد الفتح الأكبر لمكة عاد النبى إلى المدينة التى أضيئت بنور وجهه وبنور الإسلام ، بحنين البعاد والرغبة الحقيقية والأمينة فى البقاء بها حتى يلبى نداء ربه وقد كان ، لذلك جاءت دعوات رسول الله صادقة ونابعة من قلبه ووجدانه لهذه الأرض الطيبة ، والمدينة الطاهرة بأن يجعلها الله حراماً كمكة ، حيث قال صلى الله عليه وسلم : " اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ، وإنا عبدك ونبيك ، وإنه دعاك لمكة وإنى أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ، ومثله معه . اللهم بارك لأهل المدينة فى مدينتهم ومكيالهم وموازينهم ومقاييسهم وجميع مقاديرهم ، بركة مع بركة ". حتى أجاب الله دعاءه ، فأخبر أمته فرحا ببشراه ، حيث قال صلى الله عليه وسلم : " إنى حرمت المدينة بأمر الله كما حرم إبراهيم مكة ، حرمتها بحدودها المعروفة ، ما بين جبليها ، حرمتها وما يقرب من اثنى عشر ميلاً حولها ، لا يقطع شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يسفك فيها دم من أحدث فيها حدثاً ، أو أتى فيها بظلم ، أو آوى ظالماً فهو مطرود من رحمة الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه عملاً صالحاً ، وذمة المسلمين واحدة ، يجير أدناهم كما يجير أعلاهم ، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى " . ثم قال : " لقد دعوت الله أن يحبب إلينا المدينة، وأن يصحح أهلها من الأوبئة وعلى سكانها الصبر على شدتها لأكون شفيعاً وشهيداً لهم يوم القيامة ، كما دعوت الله تعالى أن يحرسها ، فلن يدخلها الطاعون ولا الدجال وستنفى خبثها ، وتخرج الفجرة من سكانها ، فحافظوا على البقاء فيها ، فمن خرج منها غير راغب فيها عوضها الله بخير منه إنها طيبة ، من أرادها بسوء قصمه الله وأهلكه وأذابه كما يذوب الملح فى الماء ، وستجدون رخاء فى مدن كثيرة غيرها ، فلا يغرنكم هذا الرخاء لتهاجروا إليه منها ، فالمدينة خير لكم إن كنتم تعلمون " . ياله من جمال ، كيف آن للنبى أن يأتى مهاجرا ، ثم يحول المدينة كقطعة من الجنة على أرض الله ، وها أنذا أقف على البقعة الطاهرة التى استقبلت الرسول مهاجرا ، وشهدت بداية ميلاد الدولة الإسلامية ، فالبداية الحقيقية لدولة رسول الله والتى اتسعت بعد ذلك وجابت آفاق العالم كانت من هنا .. من ثنيات الوداع ، ومن ثنيات الوداع لفتح مكة ، ومن فتح مكة لحجة الوداع ، مشوار كله عمل وجهاد أسس فيه رسول الله دولة الإسلام دنيا ودين ، وبعدها الخلافة الراشدة ومنها للخلافة الإسلامية الكبرى التى توالت عليها دول عظمى كثيرة بدءا من بنى أمية وانتهاء بالخلافة العثمانية ، فأحسست بانتفاضة اقشعر له بدنى باجتياح ، واضطرب معه خاطرى بشدة من هذا التخيل الجميل ، بعدها غادرنا المكان يملؤنا الغبطة والسرور بهذه الزيارة التى فيها عمق لمعالم ينبغى الحرص الشديد على زيارتها .






















وعند العودة سألت السائق عن مول اسمه "القارات" ، كان قد أخبرنى به صديق من كثرة تردده عليه فى أسفاره الكثيرة إلى هذه البقاع الطاهرة لأداء العمرة وزيارة مقام النبى الرفيع ، فكانت من نصائحه لو أردت شراء الهدايا أوالتسوق فلن تجد أفضل من هذا المول ، ففيه تجد كل ماستحتاجه ميسرا وموجودا وأسعاره جيدة ومعقولة ، ورغم أننى كنت قد قررت عدم الشراء قبل السفر ، إلا أن الفكر داعبنى لشراء الهدايا من المدينة لأولادى وأصدقائى المقربين ، وساعدنى فى ذلك رغبة المستشار محمد فى شراء بعض الهدايا لأسرته وأصدقائه ، وعندما سألنا السائق أكد على أنه من المولات الراقية والأسعار فيها معقولة وأنه لايبعد كثيرا عن مكان إقامتنا ، وأبدى استعدادا فى توصيلنا إليه مجانا ، فتشجعنا واتفقنا معه على الذهاب بعد صلاة الظهر ، واعطانا رقمه لنتصل به ، وبالفعل اتصلنا به ووجدناه منتظرا فى المكان المتفق عليه .. عند ساحة الفندق ، وذهبنا ، وقضينا وقتا طويلا فى الشراء ، لم أصدق نفسى أننى استطعت تجاوز حد التخوف من التسوق والشراء ، فأقبلت على الشراء بنهم  مما دعانى لشراء حقيبة أخرى كبيرة ، بعد أن وجدت ماأشتريته لاتكفيه الحقيبة التى جئت بها ، وعدنا محملين بما اشتريناه من ملابس وهدايا .  وانفتحت شهيتنا بعد ذلك فى التسوق بعد أن تشجعنا وتجرأنا على ممارسة هوايته ، وخاصة محال العطور كنا دائمى التردد عليها ، فهى هنا كثيرة ومنتشرة فى ربوع المدينة ، فلا يخلو شارع منها على مالايقل عن متجر أو اثنين ، وخاصة " العربية للعود " ، والعود عطر ارتبط بالمكان ، والمكان ارتبط فى النفس برائحة العود ، وخاصة أننى أعرف أن الجيد منه يمتاز بطول فترة بقائه على الجلد ، وأنه على الملابس يدوم أكثر وفقا لجودته ، وأعلم أيضا أن أنواعه كثيرة جدا وبمسميات مختلفة ، وأن والعود الجيد لا تظهر رائحته من الوهلة الأولى فبدايتها لا تكون مستحبة ولكن بعد فترة قصيرة من التعطر بها تظهر رائحتها قوية وجميلة ، عرفت ذلك من كثرة التردد على محلات العطور لتفقد  أنواعها الكثيرة والسؤال عن أسعارها ، ثم نتعلل التعطر بها لتجربتها على أجسادنا ، ولكن فى الواقع كنا نعتبرها فرصة سانحة مجانية للتطيب ، كنت أعرف جيدا بقيمة هذه العطور العربية الأصيلة المنشأ ، والتى تنفرد رائحتها الزكية بشذى عبيرها فأصبح من السهل أن أميزها جيدا وأن أقارن بينها ، وخاصة إذا خُلطت مع بعضها بنسب معينة ، وتسمى بالمخلط   . تطيبنا كثيرا ولم نشتر ، إلا بخورا جميلا وعجيبا تركيبته من هذا الخلط عبارة عن مزج رائع من توليفة عطرية رائحته ذكية اسمه " المطور " ثمنه غاليا ، ولكن لم يكن باهظا إذ كان عليه خصما خاصا وصل نسبته 50% ، فاشتريت ثلاث عبوات منها . وكنت كلما اشتريت شيئا أفرح وأشعر بالفخر بأن عقدة التسوق عندى انفكت هنا ، وجرينا على أننا أثناء عودتنا من أداء كل صلاة تقودنا أقدامنا إلى المتاجر والمولات الكثيرة والمنتشرة بالمنطقة المحيطة للحرمين فى المدينة ومكة ، وإن كان أكثر ترددنا إلى متاجر القزاز وبن داوود والعربية للعود ، حيث أنها من أشهر المتاجر الموجودة بالسعودية وأكثرها فروعا . فأصبح ذهابنا للتسوق أساسيا إذ اقتطعتنا وقتا اجتزأناه من وقت راحتنا .









حتى جاء اليوم الرابع والأخير لنا بالمدينة أدينا صلاة الفجر وقمنا بأخر زيارة للحبيب ، ومكثنا فى المسجد حتى الساعة التاسعة ننهل ونروى ظمأنا من هذا الفيض الجم الذى سنفتقده بعد قليل ، كنا نشعر بالحنين ونحن مازلنا فى رحابه ولم نغادر ، كان دعاؤنا لله التمنى بالعودة وألا يحرمنا من هذه الزيارة الطيبة الكريمة المباركة مرات أخرى ، كنا نصارع الوقت فى عد الدقائق المتبقيات حتى نستنشق أكبر قدر من شذى هواه النقى الطاهر الذى سيبقى رحيقه يحيطنا فى كل مكان نحل فيه بعد مغادرتنا المدينة العطرة ، غادرنا الساحة الشريفة عائدين للفندق كى نتناول طعام الإفطار ، بعدها صعدنا للغرف كى نستعد للحدث الأعظم والتجهيز لمغادرة المدينة المنورة بنية التمتع ، ارتدينا ملابس الإحرام وعزمنا على الذهاب إلى مكة لأداء العمرة والاستعداد للحج الأكبر .















وإلى اللقاء مع الجزء الثالث إلى عرفات الله والحج الأعظم .




مع خالص تحياتى : عصام                           القاهرة فى فبراير 2016
















الأربعاء، 4 نوفمبر 2015

خطوات على طريق الله ( الجزء الأول )




الحياة أيام ، نعيشها فى الدنيا جريا وفى دروبها نحاول .. نفلسف خطانا وننتهج .. قد تأخذنا ونغفو وأحيانا ننسى ، ولكن النفس تعود وتجاهد الخير بالشر ونبقى فى رحلة السباق مع الزمن والحياة . حتى كتبها الله لنا وذهبنا إلى هناك ووقع البصرعلى البيت وكنا قبلها فى حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدبت فينا روح جديدة ، ثم وقفنا على عرفة ودعينا الله ورجوناه فأحسسنا بإحساس أخر ، ورجمنا الشيطان رميا بالحصوات فتحررنا من أسر الوساوس وكسر قيد الشهوات ، وعدنا أخيرا بيضا نبكى من الفرح ملبين مهللين مكبرين . إنها كلمات الشكر والعرفان ندعو بها الله أن فتح قلوبنا لتتلقى الأنوار التى تشع من ورائها ، وأزاح الغفوة والغشاوة من فجوات جنباتها ، لتعمل أثرها فى الروح فتسمو وترتقى باحساس جديد يولد لأول مرة .



 نعم إحساس جديد لم أكن أعرفه من قبل ، كأننى كنت نائما نوما عميقا وصحوت فجأة على نداء الحق حى على الصلاة .. حى على الفلاح ، والفلاح فى الصلاة .. والصلاة خير من النوم وخير من عداها  ، وفى كل خطوة صلاة ، وفى كل صلاة خطوة إلى الله ، وأى خير بعد الصلاة نرجوه ونأمله ونستمتع بتقربنا إليه ، ومادمنا فى الدنيا فسنجتهد وفى سبيل ذلك سنظل نحاول ، وعندما ننجح يزداد الإيمان ويقوى ، وعندما نخفق يقل والأيام تبعدنا ، ولكن تبقى حياتنا رهن المحاولات ، إننا نعيش ونموت ونحن نحاول التقرب إلى الله ، ونصارع الأيام ونحن وحظنا فى هذه الدنيا ، فالأمر موقوف على علاقتنا بالله إذ يجب أن تكون ممتدة ولاتنقطع . وكما جعل الخير فى الصلاة ، خلق لنا آلاء ونعم كثيرة أخرى تعمها الخير وتزداد معها البركات ، اليوم فقط أحسست بآلاء الله علىّ ، وأن هناك أمرا عظيما أخر يمنح ، أو منحة كبيرة أخرى تعطى ، إنه النور الذى يكتمل به الضياء ، وليس أى نور ولا أى ضياء ، وإنما نورالإيمان وضياء السرائر الذى يبزغ من قلب الليل وتستشرفه أولى نسمات فجر خير أيام الله ، يبزغ على الدنيا بارتسامات الأمل التى ترجو رحمته وتأمن عذابه ، إنه يوم عرفات أفضل من طلعت عليه الشمس ، يوم يعبق شذاه مع إشراقة جديدة لنور صباح تزحف معه الملايين ممن يأتون إلى أرض الله المقدسة لتأدية المناسك من كل صوب وحدب قاصدين هذا الموقف العظيم .. اليوم أحسست بمنحى مالم أكن أحلم به ليعم حياتى يوم جديد لم أكن عشته من قبل ، فتحولت حياتى لضياء ظاهر أو نور خفى أو مجرى ماء يمر فى أرض مقفهرة فترويه ، وأى حياة تلك التى استشعرها الأن .. إننى أشعر وكأننى انتهج نهجا جديدا لم أعرفه  قط ، والسؤال الذى وجهته لنفسى ، أنا فى ماذا ، أو ما الذى أنا فيه ؟ !  إننى فى متغيرات .. متغيرات جعلت كل شيئ حولى أكثر صفاء وأكثر وضوحا وقربت قلبى إلى عقلى كثيرا ، وقربتهما إلى الناس أكثر ، وقربتنى أنا والناس إلى الله أكثر وأكثر ، إن الرؤية عندى لم تعد قاصرة على العينين فقط بل هناك رؤية أعمق وأصدق وأوضح وأبصر من معالم الحقائق المرئية المجردة  ، رغم أن إحساسى لازال يتفحص الواضح فيما أعيشه هنا وهو قليل ، ولكننى فهمت مالم أفهم ، وعرفت مالم أعرف ، واكتشفت أنه بمقدورى أن أفهم أكثر وأعرف المزيد واهتديت أن الله منحنى تذكرة العبور ، لما هو أرقى ، ولما هو أعمق ، ووجدت هنا أن فى ديننا حلاوة ، وفى تلاوة القرآن طلاوة ، وأن التقرب إلى الله والبعد عن الذنوب والخطايا أسهل من تنفسنا للهواء المنعش ، وباب الرحمة والمغفرة مفتوح على مصراعيه ليل نهار ومغدق لمن يحب الإستزادة ، عبادات كنت أديها ولكن اليوم اكتشفت أن بها مواطن جمال أخرى كثيرة لم أرها من قبل ، تماما كما اكتشفت أن الروح بالتلبية والإبتهال تعلو وتسمو بالنفس وينبعث منها مشاعر خاصة وأحاسيس متباينة لقيمة المكان المتصل بالسماء عبر هالات كونية تبعث الرحمات فى جو مفعم بالتجليات رغم قسوة الحرارة وشدتها ، فلا هى عرفة البيد الجرداء المقام عليها خيام الحجيج ولا نحن نفترش أرضا تملؤها الحصوات وتكسوها الرمال ، إنما وجدت شيئا أخر ، اكتشفت هنا أن الأرض غير الأرض والسماء غير السماء ، كأنما الأرض والسماء خشعتا لوجه الله واستكانتا بلقاء الله فى الدنيا فأخدتا شكلا أخر، إننى وجدت وجوها أخرى لكل شيئ هنا حتى البشر .. جمال خفى لانحسه إلا بالإجتهاد والمشقة والتعب ، وأن كلما زاد التعب انشرح الصدر أكثر ، وأتسعت الابتسامة أكبر لتملأ الثغر والقلب بالغبطة والإرتياح ، هنا عرفت قيمة البساطة فى الإسلام ، لأنها أعمقها فهما وأكثرها تجردا للإنسان وعلاقته بالله ثم علاقته بالناس ، واكتشفت أن علاقة الإنسان بالله أبسط بكثير من علاقة الإنسان بالإنسان ، وأن هذه العلاقة تتسع وتضيق باتساع أوانحصار المدارك والرؤى الأعمق للحقائق الروحية ، والباب مفتوح لمن يريد بالاجتهاد أولمن كتبت له الإرادة بالمنح من الله . إننى هنا ألتمس طريقا جديدا .. طويلا وعريضا وعميقا لتحريك الفكر وبعث المشاعر وإثارة التقوى في القلوب ، لعلى أضع عليه قدماى وأمشى فيه بارتياح فى حضرة هذا الصفاء الروحى والشفافية الدينية المطلقة ، بعد أن نسمو فوق مشاكلنا ، ونعمق علاقتنا بالله أكثر وأكثر ، لنمضى قدما على طريق الفلاح .. طريق الله .

كانت فكرة أداء فريضة الحج تراودنى منذ سنوات عديدة ، كنت أتمناها منتظرا ، وعلى مسافات بعيدة أرجوها ، فوجود حائل مادى وأخرمعنوى يجعلانى استحى من الله فى الطلب وخاصة أنها فريضة غير واجبة لغير القادر ، ولكن كلما استدار العام والفرصة تأتى ولاتتحقق ، أقول لنفسى بارتياح إن مشيئة الله أبت ، وأطيب خاطرى بأنها فريضة لمن استطاع إليها سبيلا ، فلا ضير ألا أؤديها ، ولكن النفس كانت تهفو وأحيانا تطمع فى كرم الله ، ماذا لو تيسرت لى وأنا أعلم أنها لاتأتى إلا بدعوة خالصة من الله وبتيسير منه ، فلو كتبها لى فلا وجود لأى حائل مادى أو غيره سيمنعنى من ذلك ، فكنت أدعوه على استحياء ولكن بداخلى إلحاح شديد أن ييسرها لى ويمكننى ماديا بفيضه وعطائه ، ولما كانت النية صادقة لوجهه الكريم جاء العطاء بلا حدود وكتبها لى ، ولم يخزلنى حيث قبِل نداء القلب ولباه ، وأجزل العطاء للنفس التواقة واستجاب ، وكأن قوله سبحانه وتعالى فى الأيه الكريمة " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون" لكى أعرف بعد ذلك أنها مواقيت ، وأن كل شيئ خُلق بقدر ، وأن التأخير كان خيرا لاأعلمه ، ثم وجدت نفسى تتخلص معنويا من مخاوف المجهول التى كانت تنتابنى عن هذه الرحلة الشاقة من الأقاويل التى كانت تثار حولها كل عام ، من الذين تمنوها وكُتبت لهم ثم ذهبوا وعادوا ، حيث كنت أقف عند حد السمع فقط ، لأقاويلهم وحكاويهم كلما جاءت فى ذكر أحاديثهم وهم يشرحون باستفاضة معاناتهم منها ، لكن فى النهاية أجدهم يحمدون الله شاكرين أن كتبها لهم وأتموها بكل خير . كنت أقف طويلا عند المفارقة بين حدود التعب والشقاء وإسهابهم فيها ، ثم تمنيهم العودة يسبقها شوقهم وحنينهم إلى تكرارها مرة أخرى بل مرات ومرات ، وكنت أتعجب من هذا الحنين الغريب ، أن تأتى الرغبة فى العودة إلى الشقاء ، مما كان يشعرنى برهبة هذا الأمر وإجلاله ، إذ كيف يجتمع نقيضين معا الرغبة والشقاء ، أو الرغبة فى الشقاء .  ثم عرفت بعد ذلك أن كلاهما فى الحج واحد ، الرغبة احتياج لشحذ معنوى ، أو ارتكان لمأمول ، أو حب لشيئ مفقود .. والشقاء بذل واجتهاد ذهنى وعصبى وجسدى ، فإذا اجتمعا معا لتحقيق رغبة معنوية وهى التقرب إلى الله والإمتثال لأوامره التى تحتاج إلى يقين قلبى قبل الاطمئنان العقلى ، هنا فقط يأتى العطاء .. والعطاء هو المقابل الروحانى الخالص ، لأنه عطاء الله ، ومنحة من الخالق  ، إذا جاء .. جاء بلا حدود وبسخاء ، ويفوق كثيرا كل درجات البذل . حمدت الله كثيرا أن الفرصة جاءت وفق إرادته واستجاب لى وتحققت ، وكم هو جميل أن تتعشم فى الله وتنتظر قضاءه وقدره ، لأنك ستجده هو الأجمل وهو الأفضل على الإطلاق ، ولكن عقولنا البشرية لاتستطيع إدراكه أو استيعابه ، فإذا حان جاء بفيض ورحمة وعزة وكرم من صاحبه ، ولا فيض بعد فيض الله ، ولا رحمة بعد رحمة الله، ولاعزة بعد عزة الله، ولاكرم بعد كرم الله . جاء الفيض وتوفر المال من حيث لاأحتسب ، ووجدت الإستعداد النفسى والطمأنينة يأتيانى بلا خوف ولا تردد ، ولم تعد لى الرغبة فى سماع الأخرين ، فإننى سأذهب وسأحتكم لقدراتى الذهنية والجسدية والروحية حول آداء الفريضة وزيارة الحبيب ، وشكرت الله كثيرا أن مكننى وذهبت وهناك عرفت معنى تثُّوب الناس من الشوق إلى بيت الله الحرام كلما فارقوه ، واشتياقهم إلى زيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيارة قبره وقبرى صاحبيه رضوان الله عليهما كلما تركوه ولايشبعون منه أبدا ، وعرفت معنى لذة القرب من زيارة كل الأماكن المقدسة بعد أن ذقت حلاوتها واغترفت ، وكنت قبل ذلك أفكر فى كيفيته ولاأصل لشيئ ، ولكن بعد أن ذهبت وشاهدت وعرفت ، اهتديت وأصبحت من الذين يتحدثون ويفيضون ويتمنون ويتشوقون ، واستوعبت كيف كانت المناسك الشاقة تحلو فى عيونهم ، وتلذ فى قلوبهم ، وتغلب حلاوتها مشقتها ، وتهزم لذتها صعوبتها ، لأن هناك لحظة احتواء كامل من ذات عظمى مهيمنة تبعث فى قلوبنا الإرتياح والسكينة وتشعرك بوجوده ، وقتها فقط وجدت تفسيرا منطقيا لبكائنا ونحن نلبى ذاهبين إلى عرفات ، ونحن فى عرفات ، أوعلى عرفات فى لحظة لقاء النفس مع الروح ، ثم لقائهما معا بالله ، وأى شرف يضاهى هذا الشرف الكبير .. لقاء الله فى أرض الله ، من هذه البقعة المقدسة الطاهرة التى تتجلى بوجود عظمته فيسود المكان كله ، وتستشعر أنت ذلك سبحانه ، فتتهلل النفس فرحة بالتكبير والتلبية والدعاء ، حلقات التواصل الروحى الناطق باسم كل ذلك والمؤدى أيضا لكل هذا ، رغم أننا نسينا كل ماكنا نود أن ندعو به أو من ندعو له ، ولا نجد فى أذهاننا الكلمات المناسبة ، بل كلمات من الخاطر وليدة اللحظة ، وغير متناسقة ، فاللسان تعطل ، و العبارات صارت خرساء ، لأن المعانى التى احتوتنا أصبحت عالية المنشأ ولاتقابلها أى كلمات أو ربما فاقت الكلمات والعبارات وعجز العقل أن يترجمها ، لأنها علت فوق كل الأدعية المكتوبة والتى تحملها الكتب التى معنا ونرددها .. فلا يبقى إلا الصمت و الدموع ، وهنا الدموع أقوى وأبلغ وأعمق من أى كلام ومن أى تأمين على دعاء نردده بلاهدى ولاتفكير وراء من يدعو ، فهى دموع الندم والتوبة والتطهر والفرح و الحزن و ميلاد روح جديدة وحقيقية للنفوس لايعرفها إلا من جربها فقط أو من سيجربها .  إننى هنا أدركت تماما معنى كلمة "الحُجب" ووجدتها تشبه تماما الستائر المعلقة ، إنها ستائر الإرتقاء النفسى التى تُفتح على التوالى كلما ارتقت النفس وعلت ومعها ينقشع الظلام عن النفس وتنطلق الومضات من داخلها ليعمها الضياء ، فحين يخلو الإنسان بنفسه تُفتح أمامه الستارة الواقعية المباشرة التى يراها كما يراها الناس  لتكشف عن واقعه الفردى البسيط بتفاصيل حياته ونشأته وعلاقاته بالناس والدنيا ، ثم تفتح الستارة المتوارية وهى الأعمق نسبيا لتكشف عن واقع الأصل والتاريخ والجذور ، وفيها يعود الإنسان للبحث عن أسباب ذاتيته ووجوده من خلال محاكاة واقعه التاريخى لحياته متتبعا أثار أجداده حتى يحدد كينونته وموقعه فى الكون وماآل وماسيئول إليه حاله ، ثم تفتح الستارة الأخيرة الشفافة الضاربة فى العمق لتكشف عن حقيقة وجود الله فينا وفى الأشياء ، وهى التى تأخذ أمامها كل شيئ وتهيمن على كل شيئ ، حتى نرى أنفسنا شفافة فى ضياء مبهر ، إنه قبس من نور الله . إحساس متفرد يصعب ترجمته إلى كلمات ، هنا وفى هذا المكان تحديدا ظهر واضحا .. جليا ، نسينا معه همومنا الصغيرة ومشاكلنا الكبيرة ، نسينا الدنيا والناس وأولادنا وأملاكنا وأعمالنا وأحلامنا ومشاغلنا ، نسينا أهلنا وأحبابنا وأصدقائنا وزملائنا وجيراننا ، نسينا أصلنا وتاريخنا وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا ، نسينا كل ماهو متبدل ومتغير ، وتجردنا من كل شيئ ، لنقف أمامه موقفا عظيما فى الدنيا ، فى بروفة ستتكرر يوم القيامة .. يوم لاظل إلا ظله ، هنا استشعرنا وجود الله حقيقة وليس مجازا ولامبالغة ، حضور حقيقى تلمسه قلوبنا وتستحضره عقولنا ، لأننا أمام الحضور الأعظم لحظة الاحتواء الكامل بالوقوف فى حضرة الله فى هذا المشهد العظيم ، وفى هذا اليوم العظيم ، حضرة هائلة تذوب أمامها الحواس تماما .

وإلى اللقاء فى الجزء الثانى وزيارة مدينة رسول الله
 مع خالص تحياتى : عصام  
  القاهرة فى أكتوبر 2015


الاثنين، 17 نوفمبر 2014

أنا .. ومعانقة الكلمات

دائما فى خواطرى أكتب أشياء صغيرة ، أحاول أن أخرج منها بمعانى كبيرة ، وحينما فكرت أن أكتب مذكرات لم أوفق ، وجدت أن المذكرات ماهى إلا حوارات خاصة بأحداث حقيقية مختلطة بظروف نفسية معينة ، بالنسبة لى لم أجد فيها مايغرينى على الكتابة رغم أننى حاولت وأنا فى مقتبل العمر أن أسجل بعض المواقف المؤثرة فى حياتى ولكنى فشلت ، ربما وجدت فيها مالايستحق أن أكتب عنه ، وإلى الأن لم أفكر معاودة تجربة الكتابة عن أى شيئ يخص حياتى ، رغم أننى مررت بأحداث كثيرة أثرت فيها وغيرت اتجاهاتها ، ومنها مايستحق الكتابة عنها سواء عن مواقف أوشخصيات كانت أو مازالت تجوب حياتى سواء بالمصادفة أو عنوة أو باختيارى والوقوف عندها والتأمل فيها بشئ من التدبر وشيئ من الإمتاع على الأقل لنفسى ، ولكننى لم أفعل . غير أننى بدأت أفكر فى كتابة وتسجيل مايدور به حديث النفس عن أى شيئ يستحوذ على خاطرى .. وفى كل شيئ يحرك إحساسى .. وعن أى شيئ أرى أنه يستحق أن أنثره على أوراقى من كلمات سواء فى الحب .. الفن .. الأدب .. السياسة ، وأجد متعة كبيرة عندما أكتب عن بلدى مصر .. تاريخها .. شوارعها .. ميادينها .. دروبها ، حكاياتها ، أضطربت كتاباتى كثيرا عندما وقعت مصر أسيرة التخبط ، وانزلقت فى بئر من الفوضى ، وعبرت عن خوفى وقلقى البالغين تجاهها وعما ستواجهه من أخطار مابين ثورتى 25 يناير  و30 يونيه ، وعزفت عن الكتابة إبان حكم الإخوان وأحسست بمرارة تزُم حلقى وأنا أرى مصر التى حماها الله تتلاشى وتضيع هباء كالماء السارب من بين أيدينا على يد غزاة العقيدة وعراة الفكر تحكموا فيها باسم الدين وأخرين من متخلفى الثقافة وخونة الوطن من الليبراليين والعلمانيين أرادوا طمس هويتها العربية والإسلامية فى غفلة من الزمن ، ثم عاودت الكتابة مرة أخرى بعد ثورة 30 يونيه التى أعادت البسمة لتعلو الوجوه ، ويعود لمصر مجدها وعزها وكرامتها ، فعاد لها وجهها المضيئ المشرق الذى يعرفه القاصى و الدانى ، ليؤكد للعالم كله حضارتها وتاريخها العريق .
 

المهم أن أشعر بالصدق فى كل ما أكتب ، وأعرف عما أكتب ، ولماذا أكتب ؟ وأن الذى أكتبه ذا قيمة .. سواء كان مجتمعيا .. إنسانيا ، أو نفسيا ، ولاخلاف عندى فى الشكل الذى يحتوى كلماتى ، مقالة كانت أو نثرا .. شعرا أو خاطرة .. قصة أوكلمات متناثرة من هنا أوهناك تجمع شتات النفس فى اللحظة التى تحلق فيها بعيدا عن أرض الواقع وتغرد خارج السرب ، لذلك سألت نفسى سؤالا محددا هل أجد نفسى فيما أكتبه وهل هذا يحقق لى متعة ؟  الإجابة عندى كانت تلقائية وواضحة : نعم ، وهل لها هدف آخر ؟ : لا ، هل كنت أتوقع نشرها يوما ما ؟ : أبدا ، إننى لم أكن أتصور أنه سيأتى يوم أعرض فيه أفكارى وإحساسى ومشاعرى وآلامى للآخرين ، كنت لاأملك لنفسى وعلى مدى أيام عمرى سوى أن أقرأ كثيرا ، وأكتب قليلا .. أدون ماأود كتابته فى وريقات وأضعها فى ملف خاص ، والفكرة هنا أن الكتابة موقوفة على إحساس بما أود كتابته . وليس فى أى وقت تتوفر عندى دوافع هذه الرغبة ، ولكن عندما تلوح فى أفاقى فكرة معينة بإحساس خاص أجد الرغبة تدفعنى بتلقائية فى أن أجلس مع نفسى وأمسك مداد قلمى وأسرع فى تدوينها . واضعا فى اعتبارى أن كلماتى فى النهاية وإن كانت تعبر عن ذاتيتى إلا أنها لن ولم تكن إقرارا منى بمذكرات حقيقية ، بل هى مجرد وقفات متجاورة من نتاج نفسى محض يجمعها رابط واحد هو ملخص لكلمة أنا ، الحركة فيها تجعلها خطا واحدا متصلا .. تجعل فيها تدفق وحياة غير ملتبسة بالواقع الحقيقى لحياتى ، تماما كالشريط السينمائى إذا نزعنا منه ديناميكية الحركة نراه مجرد صور متجاورة ومنفصلة لاتوجد فيها نبض حياة ، ولكن إذا دفعنا الصور وأعدنا ديناميكيتها دبت فيها الحياة وأصبحت مليئة بالحيوية والحركة وتفرز لنا مواقف كثيرة وانفعالات ، قد تكون مثيرة ومشوقة ولكننا سنجدها ممتعة ومؤثرة أيضا ، ولا أقول إن كل ماأكتبه هنا فيه شيئ من الإثارة أو المتعة بقدر ماتحمله من الصدق وأمانة الكلمة التى أحاسب نفسى عليها كثيرا ، وفى نفس الوقت لاأدعى أننى أستطيع أن أعيش دون خيال أوأحلام ، فأحيانا الخيالات والأحلام تملأ الفراغ الكبيرالتى تشغله مساحات واسعة من حياتنا ، فكما أسمع وأرى .. أتخيل وأتصور ، والتصور له أبعاد واسعة المدى والخيال إدراك الأشياء بطبيعة مطلقة لعنان النفس .. ليس لها حدود ، نتعايشها بتصورات ذهنية معينة لانملكها فى أيدينا ، تتسع وتضيق وفقا لطبيعة الإنسان وفلسفته للحياة . فى كتاباتى اتوكأ عليها وأملكها بطبيعتى الرومانسية فأتخيل كل شيئ أنا أريده وعندى المقدرة على تصوره وعندى القدرة أيضا على التعبير عنه ، وفى النهاية أجد نتاجا من كلمات تشكل وجدانى كإنسان .. عالم خاص جدا أجد نفسى فيه بل وأحتمى به .. عالم منسوج من خيال فيه شيئ من الواقع أو من منظور حقيقى ، يمكن أن أخلص فى تسميته بالمعادل الموضوعى لطبيعة حياتى .. لذاتيتى خاصة عند الأحساس بوجود ثمة إخفاقات ، وكم من إخفاقات واجهتنى فى الحياة وكيف كانت معالجتى لها لتتصوروا مدى المعاناة التى كنت أحسها عند كل إخفاقة ، والإخفاقات نتاج مواقف سلبية لأفعال جاءت على عكس المتوقع مترتبة من مردود حِراك الناس الذين ارتبطنا بهم فى حياتنا ، لم تكن موقوفة على خطأ تقدير مواقفنا معهم فقط ، بل وأيضا على عدم استطاعتنا تفهم حقيقة أغوار أنفسهم حتى ولوغصنا فيهم وتأملنا تصرفاتهم  جيدا ، لأن النفس هى ملك لخالقها فقط ، هو الذى يعرف سرها وأغوارها .. مستودعها ومستقرها ، وعليه بات من الصعب على أى إنسان أن يعرف حقيقة كاملة فى هذا الوجود .. أو يعرف إنسانا معرفة جيدة ، فإذا تقابلت مع إنسان ووجدت نفسك تحبه ، فأنت تراه ولا تراه ، وإذا وجدت نفسك تكرهه .. فأنت تحب ألا تراه ، فكيف ستعرفه ، لذلك فالذى يحب كالذى يكره ، لايرى بوضوح ، ولكن طبيعة الحياة تجعلنا نحب ونكره ، لذلك فأنت لاتعرف الناس جيدا مهما حاولت ومهما كان تقديرك وتقييمك لهم ، وفى حياتنا بشر قريبون وبعيدون ، قد يكون أقرب الناس إليك أبعدهم عنك ، وأبعدهم عنك أقربهم منك ، ولذلك لن تعرف للناس حقيقة واحدة فى الواقع ، أما فى الخيال فالوضع يختلف فهو قمة الإبداع أو الخلق النفسى لمواقف وشخصيات وجدانية بحتة تشكلهما وفقا لإرادتك ومن واقع مثاليتك أنت ، ومحاولة التأرجح بين الاستوحاء بخيالنا لرؤى وأشياء قد تبدو مثالية وفى ذات الوقت لم تكن بمنأى عن هذا الواقع ، عملية توافقية صعبة ومعقدة شديدة التعقيد عند إجرائها ، لأن منطق الأشياء هنا يحكمنا ولايستطيع العقل مهما تجاوز فى تخيلاته أن يتعداها .
 إذن نحن لسنا أحرارا فى تخيلاتنا ، فهناك ثمة ارتباطها بواقعنا أيضا ، وبالتالى يمكننى أن أخلط الواقع بالخيال بطفرات محدودة مستغلا ازدواجية الصور المختزلة فى العقل بوضعها على أرض الواقع فى الأشياء المحيطة. فيخضع الواقع الحقيقى لخيالى ورغباتى الخاصة مستغلا قدراتى النفسية بتلقائية فى التعبير ، وهو أشبه بما يعرف "البارانويا" وهو مصطلح فنى يقصد به استغلال العالم الخارجى لتصوير الفكرة التى تتسلط على العقل . حتى تتفوق تلك الفكرة على كل الحقائق الأخرى بهذا المنسوب ، لنجد فى النهاية أن الحقيقة التى توجد فى العالم الخارجى ماهو إلا انعكاس لصور وأشكال للحقيقة حسبما نراها فى داخلنا ، ومن هنا استطيع أن أصور حقيقة ما بمنظورى النفسى ، أى استخدام الصور الخارجية كما أحسها أنا .. بتفاعل إحساسى الخاص .. بكل مافى داخلى من رغبات كامنة فى نفسى التى توحى بها ، وهذا هو الذى يجعلنى أحيانا ألجأ لتمازج الخيال بالواقع ، فى منظومة فكرية بتعبيرالذات ، أو ببصمة الكاتب .. أو بمشهد يهزنى ويلح على فى رسم خطوطه فألجأ إلى أقرب ورقة وأبدأ فى وضع هذه الخطوط حتى تصبح فى النهاية شيئا له مردود فنى أو يقرأ معنى ما فى داخلى ، أى لوحة فنية برؤيتى الخاصة ، هكذا يكون حال كتاباتى ورسوماتى .. تعلمت من قراءاتى الكثيرة .. وأيضا من متابعتى لما يدور حولى من معارض فنية وندوات وجلسات ، واستفدت كثيرا بمن حولى ، وأيضا بمن يرتبط بمن حولى بالمعايشة ، الصداقة ، الحب ، التأمل ، والتأثر ، أى مجموع مشاعرى ، حبى ، كرهى ، مبالاتى وعدم مبالاتى ، وأيضا مايتفق ومالايتفق بطبيعتى ومزاجى العام والخاص ، إننى هنا أضع تقريرا عن حالى وقت الكتابة أو وقت الرسم على حد سواء أيهما أو كلاهما سواء بالمباشرة ، أو الخيال ، أو استخدام الرمز ، أو مزيج من كل هذا ، إن الذى يعرفنى سيفهمنى من كلماتى أو من هزة ريشتى على لوحاتى . واسمحوا لى أن أقرر هنا أيضا حقيقة واضحة المعالم ، أننى واحد من الذين يكتبون بوازع الحب وبكوامن مشاعرهم ، حتى لو كانوا يتكلمون فى أى شيئ آخر غير الحب .
لاأدرى سببا لكتابة هذه السطور ، ولكن دعتنى الظروف لذلك ، فوجدت أنه من الضرورى جدا أن أوضح نفسى ، حتى أبدو للآخرين كتابا مفتوحا يتفهمون ويفهمون حقيقة أمرى ، أن ماأكتبه هو من واقع ذهنى ونفسى ، وليس إقرارا بواقع عشته ، صحيح قد تكون هناك أحداث حقيقية ، ولكن معالجتى لها فى كتاباتى تختلف شكلا وموضوعا .

هكذا أكتب ، ترافقنى نفس عذبة ، ميالة للرقة والنقاء ، والسمو والجمال ، وتلازمنى روح تواقة ، حساسة عاشقة ، سمحاء حالمة ، فيجوبان معى الطبيعة ، يحدوهما الأمل ، مع كل نبضة فجر آت يحمل معه فرحة عيد ، مع كل إشراقة شمس تنطلق من جديد ، مع روعة استقبال قطرات الندى لأولى نسمات النهار ، مع عذوبة الشفق وجمال شمس الغروب وهى تجوب الآفاق ، تودع النهار تاركة للقمر وهمسات المساء وجمال الليل الباح والإبداع . إنها نفسى عاشقة القلم ووحى الغسق وقت الغروب على ضفاف النيل ، وروحى التواقة لكل جديد تستشرف الحنين والسهر كل ليلة دأبا بفرحة نجوم الليل واستصحاب بدر السماء فى جنبات الوادى السحيق ، يظلا ملازمانى لحياتى فتمضى بهما ومعهما لحظة بلحظة ، قد يغفوان بين تقلبات الفصول ،  لتبق أحلامهما الوردية دفينة ، تنتظر مجيئ الربيع بوشوشة نسماته الطيفية عندما تأتى خفيفة فيهبا معها ليلهوان ويمرحان ويداعبان موج البحر فتتلألأ صفحاته .. وتشيع البهجة على بساط العالم أخضراره ، ثم يستلقيان سحابة بيضاء شديدة النقاء تفتح لهما أحضانها مد السماء لم يدنسها أى غبار .. ولم تلوثها أية أحقاد ، حتى تصطدم بواقع مرير فتفقد تماسكها ، وتسقط حباتها رخات ورخات ، فتغسل قلبى وعقلى معا لأبدأ إنطلاقاتى من جديد .




مع خالص تحياتى .. عصــــام

القاهرة فى نوفمبر 2014