كلاسكيات مصرية

الاثنين، 17 نوفمبر 2014

أنا .. ومعانقة الكلمات

دائما فى خواطرى أكتب أشياء صغيرة ، أحاول أن أخرج منها بمعانى كبيرة ، وحينما فكرت أن أكتب مذكرات لم أوفق ، وجدت أن المذكرات ماهى إلا حوارات خاصة بأحداث حقيقية مختلطة بظروف نفسية معينة ، بالنسبة لى لم أجد فيها مايغرينى على الكتابة رغم أننى حاولت وأنا فى مقتبل العمر أن أسجل بعض المواقف المؤثرة فى حياتى ولكنى فشلت ، ربما وجدت فيها مالايستحق أن أكتب عنه ، وإلى الأن لم أفكر معاودة تجربة الكتابة عن أى شيئ يخص حياتى ، رغم أننى مررت بأحداث كثيرة أثرت فيها وغيرت اتجاهاتها ، ومنها مايستحق الكتابة عنها سواء عن مواقف أوشخصيات كانت أو مازالت تجوب حياتى سواء بالمصادفة أو عنوة أو باختيارى والوقوف عندها والتأمل فيها بشئ من التدبر وشيئ من الإمتاع على الأقل لنفسى ، ولكننى لم أفعل . غير أننى بدأت أفكر فى كتابة وتسجيل مايدور به حديث النفس عن أى شيئ يستحوذ على خاطرى .. وفى كل شيئ يحرك إحساسى .. وعن أى شيئ أرى أنه يستحق أن أنثره على أوراقى من كلمات سواء فى الحب .. الفن .. الأدب .. السياسة ، وأجد متعة كبيرة عندما أكتب عن بلدى مصر .. تاريخها .. شوارعها .. ميادينها .. دروبها ، حكاياتها ، أضطربت كتاباتى كثيرا عندما وقعت مصر أسيرة التخبط ، وانزلقت فى بئر من الفوضى ، وعبرت عن خوفى وقلقى البالغين تجاهها وعما ستواجهه من أخطار مابين ثورتى 25 يناير  و30 يونيه ، وعزفت عن الكتابة إبان حكم الإخوان وأحسست بمرارة تزُم حلقى وأنا أرى مصر التى حماها الله تتلاشى وتضيع هباء كالماء السارب من بين أيدينا على يد غزاة العقيدة وعراة الفكر تحكموا فيها باسم الدين وأخرين من متخلفى الثقافة وخونة الوطن من الليبراليين والعلمانيين أرادوا طمس هويتها العربية والإسلامية فى غفلة من الزمن ، ثم عاودت الكتابة مرة أخرى بعد ثورة 30 يونيه التى أعادت البسمة لتعلو الوجوه ، ويعود لمصر مجدها وعزها وكرامتها ، فعاد لها وجهها المضيئ المشرق الذى يعرفه القاصى و الدانى ، ليؤكد للعالم كله حضارتها وتاريخها العريق .
 

المهم أن أشعر بالصدق فى كل ما أكتب ، وأعرف عما أكتب ، ولماذا أكتب ؟ وأن الذى أكتبه ذا قيمة .. سواء كان مجتمعيا .. إنسانيا ، أو نفسيا ، ولاخلاف عندى فى الشكل الذى يحتوى كلماتى ، مقالة كانت أو نثرا .. شعرا أو خاطرة .. قصة أوكلمات متناثرة من هنا أوهناك تجمع شتات النفس فى اللحظة التى تحلق فيها بعيدا عن أرض الواقع وتغرد خارج السرب ، لذلك سألت نفسى سؤالا محددا هل أجد نفسى فيما أكتبه وهل هذا يحقق لى متعة ؟  الإجابة عندى كانت تلقائية وواضحة : نعم ، وهل لها هدف آخر ؟ : لا ، هل كنت أتوقع نشرها يوما ما ؟ : أبدا ، إننى لم أكن أتصور أنه سيأتى يوم أعرض فيه أفكارى وإحساسى ومشاعرى وآلامى للآخرين ، كنت لاأملك لنفسى وعلى مدى أيام عمرى سوى أن أقرأ كثيرا ، وأكتب قليلا .. أدون ماأود كتابته فى وريقات وأضعها فى ملف خاص ، والفكرة هنا أن الكتابة موقوفة على إحساس بما أود كتابته . وليس فى أى وقت تتوفر عندى دوافع هذه الرغبة ، ولكن عندما تلوح فى أفاقى فكرة معينة بإحساس خاص أجد الرغبة تدفعنى بتلقائية فى أن أجلس مع نفسى وأمسك مداد قلمى وأسرع فى تدوينها . واضعا فى اعتبارى أن كلماتى فى النهاية وإن كانت تعبر عن ذاتيتى إلا أنها لن ولم تكن إقرارا منى بمذكرات حقيقية ، بل هى مجرد وقفات متجاورة من نتاج نفسى محض يجمعها رابط واحد هو ملخص لكلمة أنا ، الحركة فيها تجعلها خطا واحدا متصلا .. تجعل فيها تدفق وحياة غير ملتبسة بالواقع الحقيقى لحياتى ، تماما كالشريط السينمائى إذا نزعنا منه ديناميكية الحركة نراه مجرد صور متجاورة ومنفصلة لاتوجد فيها نبض حياة ، ولكن إذا دفعنا الصور وأعدنا ديناميكيتها دبت فيها الحياة وأصبحت مليئة بالحيوية والحركة وتفرز لنا مواقف كثيرة وانفعالات ، قد تكون مثيرة ومشوقة ولكننا سنجدها ممتعة ومؤثرة أيضا ، ولا أقول إن كل ماأكتبه هنا فيه شيئ من الإثارة أو المتعة بقدر ماتحمله من الصدق وأمانة الكلمة التى أحاسب نفسى عليها كثيرا ، وفى نفس الوقت لاأدعى أننى أستطيع أن أعيش دون خيال أوأحلام ، فأحيانا الخيالات والأحلام تملأ الفراغ الكبيرالتى تشغله مساحات واسعة من حياتنا ، فكما أسمع وأرى .. أتخيل وأتصور ، والتصور له أبعاد واسعة المدى والخيال إدراك الأشياء بطبيعة مطلقة لعنان النفس .. ليس لها حدود ، نتعايشها بتصورات ذهنية معينة لانملكها فى أيدينا ، تتسع وتضيق وفقا لطبيعة الإنسان وفلسفته للحياة . فى كتاباتى اتوكأ عليها وأملكها بطبيعتى الرومانسية فأتخيل كل شيئ أنا أريده وعندى المقدرة على تصوره وعندى القدرة أيضا على التعبير عنه ، وفى النهاية أجد نتاجا من كلمات تشكل وجدانى كإنسان .. عالم خاص جدا أجد نفسى فيه بل وأحتمى به .. عالم منسوج من خيال فيه شيئ من الواقع أو من منظور حقيقى ، يمكن أن أخلص فى تسميته بالمعادل الموضوعى لطبيعة حياتى .. لذاتيتى خاصة عند الأحساس بوجود ثمة إخفاقات ، وكم من إخفاقات واجهتنى فى الحياة وكيف كانت معالجتى لها لتتصوروا مدى المعاناة التى كنت أحسها عند كل إخفاقة ، والإخفاقات نتاج مواقف سلبية لأفعال جاءت على عكس المتوقع مترتبة من مردود حِراك الناس الذين ارتبطنا بهم فى حياتنا ، لم تكن موقوفة على خطأ تقدير مواقفنا معهم فقط ، بل وأيضا على عدم استطاعتنا تفهم حقيقة أغوار أنفسهم حتى ولوغصنا فيهم وتأملنا تصرفاتهم  جيدا ، لأن النفس هى ملك لخالقها فقط ، هو الذى يعرف سرها وأغوارها .. مستودعها ومستقرها ، وعليه بات من الصعب على أى إنسان أن يعرف حقيقة كاملة فى هذا الوجود .. أو يعرف إنسانا معرفة جيدة ، فإذا تقابلت مع إنسان ووجدت نفسك تحبه ، فأنت تراه ولا تراه ، وإذا وجدت نفسك تكرهه .. فأنت تحب ألا تراه ، فكيف ستعرفه ، لذلك فالذى يحب كالذى يكره ، لايرى بوضوح ، ولكن طبيعة الحياة تجعلنا نحب ونكره ، لذلك فأنت لاتعرف الناس جيدا مهما حاولت ومهما كان تقديرك وتقييمك لهم ، وفى حياتنا بشر قريبون وبعيدون ، قد يكون أقرب الناس إليك أبعدهم عنك ، وأبعدهم عنك أقربهم منك ، ولذلك لن تعرف للناس حقيقة واحدة فى الواقع ، أما فى الخيال فالوضع يختلف فهو قمة الإبداع أو الخلق النفسى لمواقف وشخصيات وجدانية بحتة تشكلهما وفقا لإرادتك ومن واقع مثاليتك أنت ، ومحاولة التأرجح بين الاستوحاء بخيالنا لرؤى وأشياء قد تبدو مثالية وفى ذات الوقت لم تكن بمنأى عن هذا الواقع ، عملية توافقية صعبة ومعقدة شديدة التعقيد عند إجرائها ، لأن منطق الأشياء هنا يحكمنا ولايستطيع العقل مهما تجاوز فى تخيلاته أن يتعداها .
 إذن نحن لسنا أحرارا فى تخيلاتنا ، فهناك ثمة ارتباطها بواقعنا أيضا ، وبالتالى يمكننى أن أخلط الواقع بالخيال بطفرات محدودة مستغلا ازدواجية الصور المختزلة فى العقل بوضعها على أرض الواقع فى الأشياء المحيطة. فيخضع الواقع الحقيقى لخيالى ورغباتى الخاصة مستغلا قدراتى النفسية بتلقائية فى التعبير ، وهو أشبه بما يعرف "البارانويا" وهو مصطلح فنى يقصد به استغلال العالم الخارجى لتصوير الفكرة التى تتسلط على العقل . حتى تتفوق تلك الفكرة على كل الحقائق الأخرى بهذا المنسوب ، لنجد فى النهاية أن الحقيقة التى توجد فى العالم الخارجى ماهو إلا انعكاس لصور وأشكال للحقيقة حسبما نراها فى داخلنا ، ومن هنا استطيع أن أصور حقيقة ما بمنظورى النفسى ، أى استخدام الصور الخارجية كما أحسها أنا .. بتفاعل إحساسى الخاص .. بكل مافى داخلى من رغبات كامنة فى نفسى التى توحى بها ، وهذا هو الذى يجعلنى أحيانا ألجأ لتمازج الخيال بالواقع ، فى منظومة فكرية بتعبيرالذات ، أو ببصمة الكاتب .. أو بمشهد يهزنى ويلح على فى رسم خطوطه فألجأ إلى أقرب ورقة وأبدأ فى وضع هذه الخطوط حتى تصبح فى النهاية شيئا له مردود فنى أو يقرأ معنى ما فى داخلى ، أى لوحة فنية برؤيتى الخاصة ، هكذا يكون حال كتاباتى ورسوماتى .. تعلمت من قراءاتى الكثيرة .. وأيضا من متابعتى لما يدور حولى من معارض فنية وندوات وجلسات ، واستفدت كثيرا بمن حولى ، وأيضا بمن يرتبط بمن حولى بالمعايشة ، الصداقة ، الحب ، التأمل ، والتأثر ، أى مجموع مشاعرى ، حبى ، كرهى ، مبالاتى وعدم مبالاتى ، وأيضا مايتفق ومالايتفق بطبيعتى ومزاجى العام والخاص ، إننى هنا أضع تقريرا عن حالى وقت الكتابة أو وقت الرسم على حد سواء أيهما أو كلاهما سواء بالمباشرة ، أو الخيال ، أو استخدام الرمز ، أو مزيج من كل هذا ، إن الذى يعرفنى سيفهمنى من كلماتى أو من هزة ريشتى على لوحاتى . واسمحوا لى أن أقرر هنا أيضا حقيقة واضحة المعالم ، أننى واحد من الذين يكتبون بوازع الحب وبكوامن مشاعرهم ، حتى لو كانوا يتكلمون فى أى شيئ آخر غير الحب .
لاأدرى سببا لكتابة هذه السطور ، ولكن دعتنى الظروف لذلك ، فوجدت أنه من الضرورى جدا أن أوضح نفسى ، حتى أبدو للآخرين كتابا مفتوحا يتفهمون ويفهمون حقيقة أمرى ، أن ماأكتبه هو من واقع ذهنى ونفسى ، وليس إقرارا بواقع عشته ، صحيح قد تكون هناك أحداث حقيقية ، ولكن معالجتى لها فى كتاباتى تختلف شكلا وموضوعا .

هكذا أكتب ، ترافقنى نفس عذبة ، ميالة للرقة والنقاء ، والسمو والجمال ، وتلازمنى روح تواقة ، حساسة عاشقة ، سمحاء حالمة ، فيجوبان معى الطبيعة ، يحدوهما الأمل ، مع كل نبضة فجر آت يحمل معه فرحة عيد ، مع كل إشراقة شمس تنطلق من جديد ، مع روعة استقبال قطرات الندى لأولى نسمات النهار ، مع عذوبة الشفق وجمال شمس الغروب وهى تجوب الآفاق ، تودع النهار تاركة للقمر وهمسات المساء وجمال الليل الباح والإبداع . إنها نفسى عاشقة القلم ووحى الغسق وقت الغروب على ضفاف النيل ، وروحى التواقة لكل جديد تستشرف الحنين والسهر كل ليلة دأبا بفرحة نجوم الليل واستصحاب بدر السماء فى جنبات الوادى السحيق ، يظلا ملازمانى لحياتى فتمضى بهما ومعهما لحظة بلحظة ، قد يغفوان بين تقلبات الفصول ،  لتبق أحلامهما الوردية دفينة ، تنتظر مجيئ الربيع بوشوشة نسماته الطيفية عندما تأتى خفيفة فيهبا معها ليلهوان ويمرحان ويداعبان موج البحر فتتلألأ صفحاته .. وتشيع البهجة على بساط العالم أخضراره ، ثم يستلقيان سحابة بيضاء شديدة النقاء تفتح لهما أحضانها مد السماء لم يدنسها أى غبار .. ولم تلوثها أية أحقاد ، حتى تصطدم بواقع مرير فتفقد تماسكها ، وتسقط حباتها رخات ورخات ، فتغسل قلبى وعقلى معا لأبدأ إنطلاقاتى من جديد .




مع خالص تحياتى .. عصــــام

القاهرة فى نوفمبر 2014



الأحد، 20 أبريل 2014

الجنة المفقودة





فى جنتى الضائعة
غفوت أنا
عالم رقيق ساحر المدى
تستقبلنا فيه أطياف من حرير
ونسمات من هوى
تلوح أغصان الورود
وخضرة العشب تطيب
سابحة تستقبل العبير
وقطرات الندى
تداعب برقة ورفق ولين
الورق النضير
ووريقات العطر العتيق والشذى



والخضر المروج
وأسراب تعانق الطيور
بأجنحة بيضاء تغدو وتروح
تعكس الضيا والنور
فى العلو والهبوط والعروج
وتسمع لها أغاريد
تملأ الكون وتنعم بالهنا
تنهمر بشوق جداول الماء
دفق المشاعر تنساب
شلالات متلألئة على جنبات الجنا
نسمع لها خرير
بصفاء الماء النمير
يرتاح لها الفكر ويستنير
بقلب غض غرير
يعشق الحياة وجمال الكلأ


حتى تتجمع حول الصخور
مارحة تلهو وتثور
عاشقة حتى الحُبور
سارحة تمشى وتسير
منتشية بنسمات الخلا
ملاطفة روض الجنان
تنعم بفرط الحنان
فى أجمل زمان
ربيعى الحضور
يرفرف حولها الفراش ويحوم


على أنغام يرددها الفضاء الفسيح
آذان الديك الفصيح
ووشوشة البلابل والعصافير
فرحة بالحصاد المفتون
رفة أفواف السنابل إلى الجذور
على دفء الأرض تميد
تتملقها وتعشقها العيون
وتمنحها بسمة الأمان
مشيعة فوضى المكان
وبلسم الجروح
يفترش الأرض
براءة الأطفال
والسماحة والطهور


وفى انعكاسة شامخة
أناقة النخيل باسقة
مصطفة متناسقة
مشبوبة الحوافى
أيقظت المعانى
تستشرف الغدير
وظله الظليل
يلوحها الهواء فتميل
تعانق أغانى السواقى
مسترسلة من نظم الغوانى
حسناء البوادى
تعشق وتتغنى للأمانى
بصوتها المبهر الجميل


وروعة الأنهار
عند غسق النهار
والجلوس على حافة الفنار
عند ملتقى شاطئه الوتين
تبدو روعة النيل
وقت شمس الأصيل
عند السقوط فى المغيب
تستجدى ساعة وداعك
تعدو ورا شعاعك
تحمل الأمل فوق شراعك
تناشد عتمة الليل احتياجك

من رحلة الخلود
عبر زمن الجدود
بحلم عابر الحدود
يعلم اجتياحك
من مركب أمون
وشمس أتون
وتى وحتشبسوت
الشوق يعود
يُرجى الوعود
يتمنى أن يجود
بالحب اشتياقك

لأنغام الربابة
والسمسمية على الفنارة
والغاب والعود
والمزمار البلدى يسود
على نغماته القدود
تعلو فى الليل ابتساماتك
نشوانة بوثائق لهاعهود
ليكتسيه حُلة الفيروز
ونسائم النيروز
من جديد ويجود
بالفرحة اشتهاءاتك

ومع الطيف  الجميل
نما الحب وأورق
وعلى خدود الورد أستبرق
لفح الهوى واستمرق
الحب من خيالاتك




ياأيام الربيع
ياهمس الحنان
يالمس الجمال
ياراسم على الجنان
أروع نسماتك
هالات من نور
من رقة الزهور
ووداعة العصفور
سيمفونية من عزف الطيور
على رتم ايقاعاتك
تلف الجنان وتدور
مشبعة بالاحساس والشعور
وتملأ الكون سرور
وتقول فى براءة
يالها من أيام


كنا نمرج من الضيا للسحور
فى جو العبير يتضوع مسكا
فى عالم مسحور
بروعة المكان
من الرواح إلى البكور
وبقية المعانى قشور
يوم كنا نعرف للحب
ألف معنى ومعنى
وسكنا فيه أعشاش الطيور
نغفو نصحو لانضج ولانثور








    



مع تحيات : عصــــــــام   

                    القاهرة فى إبريـــل عام 2014
     






الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

أمــى .. الغائبة الحاضـــرة





                              مقدمة                                       

أصدقائى الأعزاء:

لاتتصورون كيف يكون حالى حينما يلازمنى شريط ذكرياتى كل ليلة بكل مراحل العذاب والأمل فى حياتى ، التقط لحظات السعادة القليلة منها عندما استشف طيفها فيأتينى ويمكث فى وجدانى ، مستعذبا صورتها التى دوما لم تفارق خيالى ، وتسهم برحابة فى توجيهى بالتمكين الساعات المتبقيات من السهرة حتى أبلغ الهزيع الأخير من الليل فيدركنى المنام ، الليلة الماضية كان الوهج أكبر من قدرتى على الاستشفاف والاستلهام والاستيعاب ، فهممت وألقيت بجسدى المجهد تحت الأغطية.. واتكأت على الوسادة خلف رأسى لأقرأ بعض مستحبات الكتب قبل نومى حتى استطيع النعاس فى هدوء كما تعودت ، لكننى لم استوعب كلمة واحدة ، ولم أنم ، مازال طيفها يتدفق بعمق ويوقظ كل ذكرياتى ويلامس منعطفات الإستقرار فى حياتى .. يسرح بين حنايا المناطق الدافئة وينساب فى قلبى برفق وفى عقلى بتؤدة وفى وجدانى بوهج المشاعر التى تحمل حنين الماضى وضبابية الحاضر والمستقبل . أطفأت الأنوار من حولى وراح عقلى يسرد شريط حياتى فى تفاصيل أدق وأرحب.. لم يكن فى الغرفة سوى شعاع ضوء متسلل عبر النافذة راسما أطيافا وهالات فوق مضجعى .. وصمت واسع النطاق يتحرك جسدى فيه ، إننى محاصر بين عقل و ذكريات ومشاعر فياضة ورقيقة تواقة للحبيبة الغائبة الحاضرة الملتصقة بذاكرتى .. المهيمنة على تلابيب عقلى دون انتزاع ، حتى صور لى هاجسى رؤيتها على خلفية هذه الأشياء وكأنها تسير فى طريق من نور يشق عباب ضوء غرفتى الخافت .. تبتسم بفيض الخاطر ، تبتهج بتجليات مابعد زمن العذاب والألم ، وخاصة أننى منذ أن غدوت للحياة لم أفترق عنها.. عشت فيها وعايشتها فى كل اللحظات التى عانت وتعبت فيها ولم تكل ، كانت تثورعلى الابتلاءات فى قوة وجلد ، حتى سرت أحمل لها فى ذاكرتى كل مواقف حياتها .. أحفظها عن ظهر قلب وأحملها عن طيب خاطر لأمضى بها ومعها بقية رحلة حياتى .. أراها فى كل تنقلاتى .. زمانها مرآة حياتى ، وفى بحرعينيها العميق عرفت ذاتى ، فكنت أعيش على ضفاف مامنحته لى من حب وعطف وحنان .. أمسح بوجهى نظراتها المتألقة فى ملامحها الهادئة الجميلة لأتلمس مصادر القوة كى أمحو بها الضعف الكامن داخلى ، وأنطلق منه لمواجهة الصعاب ببريق هذه العيون الأخاذة التى تتبعنى أينما تحركت أو ابتعدت فى صمت . أسحب نفسا عميقا أملأ به صدرى بهواء عاطر بالحب الكبير المتغلغل بين حنايا قلبى .. بعمق الزمان والمكان داخلى فتمتلكنى ابتسامة عفوية متوهجة تحتوينى أملا فى الصباح الجديد الذى لم تتركنى فيه ، فيسبقنى لسان حالى طالبا لها الرحمة والغفران ، فتطيب نفسى وتطمئن وأدخل فى سُبات عميق.                                                                    

     أمى أيتها الحبيبة الغائبة ، كم أنت حاضرة وموجودة فى واحة الحب ، تعتلين قمة العطاء الإنسانى .. فأنت الحب الذى بلا مقابل .. وأنت العطاء الذى بلا حساب .. وأنت باب المفتوح على الجنة . رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته قدر عطائك وجم حبك الغالى الذى لم ولن يتكرر.        

  مع خالص تحياتى : عصـــــــــــــام    

                                           القاهرة فى نوفمبر  2013




صورتها الحلوة الجميلة ، بصمة حب طُبعت فى قلبى وعقلى معا .. تبعث خفقانا يجتاح كل كوامن نفسى ، يرجفها بعنف يهتز لها كل كيانى .. سرعان مايعود إلى مخبأه السرى فى قلبى ويغلق كل محاوره ، ويبدأ فى بث موجات من البكاء الصامت ، ويدفع بركامات الألم الخانق داخل صدرى ليضيق ويتسع .. يعلو ويهبط  ويترك أثرا عميقا للحب والحزن معا .. جرح غائرلايندمل ولايجف ، لتبقى علامة للزمن بنبض الحياة التى تدوم بعد رحيل صاحبها ، محملة بكل كلام الحب الذى أحتفظ بها فى مخملى بين طيات جلدى وفوق رأسى ، وبين أنفاسى حيث كانت تتسلل بينى وبين النفس الذى استنشقه ، لتنساب من الخاطر كل منابع الحياة الآتية من الجنة التى أسكنها الله تحت قدميها مدفوعة بقوة منهمرة لتكون نبراث حياتى بصفوها وإضفائها .. حبا متدفقا ليس لأبنائها فحسب ولكن لكل من عرفها ، ولازالت تتحكم فيهم هيبتها الضالعة برسمة الوجه الجميل ، والطلعة الأخاذة ، وشيمة الخلق ، وسمو الكبرياء ، وعظمة وروعة الأداء على المستويين الإنسانى والاجتماعى .. حتى ظلت هامتها مرتفعة ، طالت بها أجيالا لم يمهلها العمر بلوغها ، كادت أن تقارب بها عنان السماء رمزا للشموخ والرفعة .

شريط الذكريات يعود بى إلى حيث كانت ، فهى لازالت تملأ الدنيا حيوية ونشاطا ، لاتعرف الكلل رغم مابها من أسقام ، كانت أكثر ماتحرص عليه هو أن تخفى عنا مرضها وضعفها ، كانت دائما تنكرها وتحاول جاهدة ألاتشغلنا بها وبمعاناتها ، فكانت تعمل بدأب فى بيتها ، وتصر على مباشرة كل أعماله وحدها ، هى التى تكنس وهى التى تمسح وهى التى تغسل  وهى التى تطبخ ، فإذا أحست بنوبة من نوبات المرض تداهمها أو على وشك أن تلم بها جرت لحجرتها وتغلق عليها بابها وتعانى وحدها كثرة السعال يضيق معه صدرها صعودا وهبوطا حتى تنتفخ أوداجها ويحمر وجهها ويكفهر، وترفض فى إصرار الذهاب إلى الطبيب معللة بأنها ليست مريضة .. وأنها تعانى فقط نوبة من نوبات البرد ، وتمر الأيام ولم يذهب البرد ، ولم يهدأ السعال ، ونكتشف مع الأيام ضعفها ووهنها أكثر مما كنا نعتقد ، وعرفنا إنها مريضة بمرض الربو الشُعبى ، تمكن منها المرض واستفحل عراه بعد أن واصل ضعفها مشواره دأبا بلا رحمة ينهش فيها ويتملك منها أكثر من تفكيرنا فى كيفية علاجها ، فتضاعف عليها المرض ليشمل أمراض أخرى خشونة فى مفاصل القدمين سبب لها آلاما مبرحة تخز جسدها طول الليل ويتعذر عليها الوقوف والمشى بالنهار إضافة لضغط الدم الذى لم يبرحها ، وتسوء حالتها النفسية وأصبحت غير قادرة على الاسترخاء من الحالة الدائمة التى لازمتها من التوتر والقلق والاضطراب ، كل ذلك أرقدها صريعة الداء والمرض ، وطوتها أعاصير الحياة ، واندفعت مجهدة تلاطم أمواج العيش الضارية ، فلم يبق فيها أكثر مما نرى ، لقد ضاع انتصارها فى معركة الحياة سدى وذهب ريحها فيها هباء. ورأت أنها لم تحقق من خلالها ماكانت تحب أن تبلغه . وتركت الدنيا والبيت والولد والزوج والأهل عن عمر لايجاوز الخمسين عاما .. مضت غير عابئة بأيام عاشتها باحثة عن سعادة لم تبلغها بعد ، وأمل طال مداه .. وفرحة طالما تمنت أن تتلمسها فى نجاح الابناء ، أو سعادة تجدها فى رغد الحياة ولو لليلة واحدة تفرح فيها وهى تزف أحد ابنائها فى ليلة عُرس جميلة ، أو ابتسامة تظفر بها عند مداعبة الأحفاد ، تبخرت كلها حتى كان أقصى ماتمنته فى أخر أيامها اختزلته فى مجرد حياة مستقرة بسيطة تغلق فيها عليها بابها وتنعم بها فى هدوء ، لكن حتى هذا لم يتحقق لها أيضا . عاشت تعانى عدم الاستقرار .. مغلولة اليد ، المال فى يدها قليل ، أقل من تدبير حال بيتها ولكن أكسبها ذلك فطنة كبيرة فى كيفية تدبير شئون احتياجاتنا ، فهى كانت حريصة كل الحرص على  تربيتنا تربية سليمة ، نظافتنا هى أولى اهتماماتها ، وأخلاقياتنا كان هدفها الأسمى ، فلم نشعر للحظة واحدة أننا حُرمنا من شيئ ، بل عشنا فى رفاهية فى حدود المتاح من المال الذى كان يوفره لنا والدى بكده وتعبه فى مشقة الحصول عليه بالصبر والعنت ، فكنا نقدر قيمته وننعم ببركته . حياتها مع والدى وإن كانت لم تخل من بعض المناوشات البسيطة ولكن نادرا ماتحدث وعلى فترات بعيدة ، مسبَبَة من ضيق سعة الصدر وانقباض رحابة الأفق لرد فعل الأزمات ، ولكنها فى النهاية لاتعدو إلا بعض خلافات عابرة التى تمضى معها الحياة مابين الرفق والتوتر .. والغضب  واللين والهوادة ، كان والدى لايسمح لنفسه أبدا إيلامها أو جرح مشاعرها وكان أقصى ماكان يذهب إليه هو أن يحتد عليها بعض الشيئ ويتهمها أنها تفترى عليه ، وكان أقسى ماكان يفعله أن يتجنبها بعض الوقت ويلتزم الصمت فلا يرد عليها إن هى خاطبته ، وهى لا تستريح حتى تفتعل سببا للحديث معه فيجيبها فى البداية بتحفظ  مقصود وتواصل هى الاقتراب منه إلى أن يلين تماما ويعود لسابق عهده ويتعاتبان بلامرارة وتعتذر هى له أو يعتذر هو لها ، ليس مهما ، المهم أن الحياة عادت أدراجها لمجاريها بينهما ، وتشهد حياتنا أيام دافئة بعطر المشاعر والأحاسيس التى كانت تلم شمل الأسرة ، حتى تخرجتُ من الجامعة وأمضيت فترة تجنيدى بالقوات المسلحة  ، ودخلت مجال العمل ، كنت وقتئذ قد جاوزت العقد الثانى من عمرى ، وبدأنا نكبر وهاجمتنا مشاكل أخى مجدى بأحلامه الطائرة الطائشة التى سيطرت على مجريات الأمور ، ووضعنا فى موضع لانحسد عليه البته ، نالت منا مانالت وأتت على الأخضر واليابس من مقدرات بيتنا البسيط  ، فجاءت مصائب تتبع مصائب ، واحتكاكات بأناس لانعرفهم ، ووجدنا أنفسنا فى مواجهتهم فجأة ، إشكاليات ومحاضر وجلسات للتفاهم وأخرى للوفاء ماعقدنا عليه العزم فى حل مشكلاته ، وهو لم يعبأ ولاحرك مرض أمه ولا ضعف أبيه ساكنا فى قلبه ولاوازعا من ضمير ، كنت أهون عليهما قدر المستطاع وأطمئنهما التمسك بشعاع الأمل وأن عليهما أن يتعزيا بالصبر، لم يجدا بداً من التمسك بأهدابه على مضض وأبت الأيام إلا أن تكشف بمرورها كل شيئ عن مشروعات أخى الوهمية ، وبدت الحقائق واضحة بضياع كل ماكان يجمعه من أموال الناس لضخها فى تلك المشروعات ، وأنه لايملك شيئا سوى التصرفات العابثة ، فقد كانت طاحونة الزمن أسرع من أهلها إذ ابتلعت كل مانملكه من أموال رغم  ضآلتها  وخاصة بعد بيع الرمق الأخير من الحلى الذهبية التى اكتنزتها أمى للزمن حتى تسد عليه ديونه التى تراكمت بشكل متردى وسريع حفاظا عليه من ارتياده السجن الذى كان أقرب إليه من أى شيئ يفعله ، وماأكثرها رعونة حتى ولو كانت قد بلغت توقيعاته على شيكات دون رصيد ، لم يخجل ولم تعتصره صحة أمه التى أخذت فى التدهور السريع بسببه . ودون أن يشعر أحد كنا ندبر ونستدين ، ولم نكن نعلم ولانعرف أن وراء ذلك وقريب الصلة به هى أرملة .. إمرأة لعوب ومعها أولادها الذى كان أصغرهم يكبره سنا ، اندفع إليها بلا شهامة ، وكانوا أقرب إليه حتى من نفسه ، استطاعت أن تستميله وتخدعه وتملك عليه أمره ، ارتبطت به ارتباط  منفعة ، فحصدت أموالنا وأموال الناس وهى تعلم أن كل هذه الأموال سحتا فى بطون أولادها . ويتحول البيت الهادئ الجميل ، إلى بركان يغلى ، انصهر فيه كل شيئ وضاع فيه ماضاع وجرف كل ماكان يأتى فى طريقة عنوة ، كان أخى يأتى بالمصيبة على قدر مانملك أو مايمكن أن نفعله من طلب الاستدانة ، فاستدانت أمى وماكانت للأستدانة بحاجة ، لم يؤرقه ماوصلنا إليه من حال ، بل ولم يشأ أن يخبرأمه بأمر زواجه منها ، وكأنه قدّر أنه أقدم على عمل مخزى سيكون بمثابة الصدمة لنا جميعا ، فاجأنا به بعد وفاتها ولم يأبه ولايتورع عما اقترفه فى حق أسرة كاملة عانت وتشتتت ، وضحت أمى بحياتها بسببه .



  ثقلت الدنيــا عليـها ، لم يعد للجسد الواهن الضعيف القدرة على الإحتمال ، ولم يقو فترفعت عن الحياة ، وكانت أرادة الله هى التى منحتها الراحة ، من عذابها ومرضها ، وحياتها الصعبة القاسية ، فقد كان قدرها أيضا أن تتحمل إلى جانب مشكلات أخى ، أعباء أسرية أخرى حملتها لنفسها راضية ، تحسبت فيها معنى لم شمل الأسرة ، من ابناء وإخوة ، وقدرت وفاءها لأمها وأبيها ، كل ذلك وضعها موضع المسئولية لشخصية قوية قادرة على إصدار القرار المناسب فى وقته وحينه وتملك المواجهة بمنتهى الشجاعة متحملة أعباء مسئولياتها ، فكم من مشكلات واجهتها بكل احترام المواجهات ، بعد أن فرضت نفسها عليها فرضا ، وأحكمت نفسها إحكاما ، فكان عليها أن تتصدى لها وحدها ، حاولتُ قدر الاستطاعة أن أذود عنها خطبها ، أو أشارك جانبا من تحمل تبعات ماتواجهه ، ولم أستطع ، ليتنى كنت أقدر ، لو بمقدورى كنت محوت عنها كل عذاب .. وسحقت منها كل مرض .. ولنزعت عنها القهر والقلق والتوتر والألم والدموع والجراح العميقة ، هذا ماعجل صنع نهاية حياة قصيرة لأم فذة ، علمتها الحياة معنى العزة والكرامة ثم أوعذتها للغير لتنال منها ، ولكن أبدا لم تلجأ إلا لله ، فواجهت من الابتلاءات ماواجهت ، ومن النوازل ماينوء بحمله الجبال فتحملت ، ومن النواكب ماسد عليها كل نوافذ الأمل المفتحة فأصرت على فتحها بتقديم المزيد من الألم  بسماحة نفس وهدءة رضا وابتسامة رقيقة ، حتى ضاق صبرها ، ووهى جلدها ، وضاع شبابها الغض ، وراحت طلعتها الحلوة التى كانت تملأ حياتنا اطمئنانا وسكينة .

 طبيعة حياتها أكسبتها الكثير ، فقد كانت لبقة فى التعامل ، تملك ذكاء القلب وفِراسة العقل .. شفافة الروح ، تفهم الشخوص باستشعار حسها القوى وتقرأهم من عيونهم وتعرف ماكانوا يضمرونه فى صدورهم وتصل إليه ، أما عن نفسها كانت شديدة الحساسية تعرف كيف تخفى مايعترك بداخلها عن أعين الناس ماكانت تكره أن يراه أحد ، وكانت توفق بفضل هذه اللباقة وهذا الذكاء مايجعلها تبدو شديدة الحرص على ألا تجزع أبدا رغم اختلاف هذه المشاكل وتنوع حدتها . ولكن أى شيئ يبقى على الأيام ، لقد ذهبت ، كما ذهبت بنضرة شبابها ، وبكل ماكان يجب أن يكون لدينا من مال وأرض وأملاك لم نتملك منها شيئا ، وذهبت أدراج الرياح ، وأخذ الغير كل ماتبقى لنا من ميراث جدى ، وأصبحوا ينعمون بحقنا الشرعى  ، بعد أن كتب جدى بقية أملاكه وأملاك جدتى لزوجته العاقر ، ليستفيد بها أولاد أختها بعد موتها ، أما نحن فقد آثر والدى أن ينجو بنا من الصراع الدامى على ميراث الغضب . ومضت أمى فى الحياة تناهض ابتلاءاتها وامتحانات الدهر المتلاحقة وتواسى الظروف وتحثنا  الصبر والجلد ، كل ذلك جعل منها امرأة مذعنة لحكم قضاء الله فيها وبمسئوليتها الرهيبة التى كتبت لها ، فكانت لاتنكر شيئا ، محزونة ولكن فى دعة ، ملتاعة لكن فى هدوء ، لايحسه أحد من شدة حرصها على إخفاء مايضمره نفسها ، وكتمان ماتحس ، واحتفظت لنفسها بمشاكلها وخطوبها ، حتى نحن حاولت قدر الإمكان أن تبعدنا عن دائرة هذه المشاكل ، فكان كل من كان يعرفها يختلف اختلافا بينا فى تقدير أمرها وتربيتها لابنائها وحسن تدبير شئونها ومع كل هذا الإخفاء فإنها لم تستطع أن تخفى ماأودعه الله فى نفسها من ملكات مالايستطيع أن ينكره عليها أحد ، حيث كانت قوية الشخصية  ، سمحة الطبع ، رضية النفس ، سخية اليد ، حلوة العشرة ، عذبة الحديث ، تملك قلبا يفيض بالحب ، بسيطة ،  متواضعة ، قوية الإيمان ، تسيطر عليها نزعة دينية ، رغم عدم بلوغها من التعليم مايساوى فطنتها وذكاءها الحاد ، فكانت تتعلم الأشياء بحسها الواعى ، إنها كانت تملك نفسا تعرف كيف تضبط أهواءها ، ومع ذلك لم تظفر بعد بحياة هادئة كطبعها ، فما زاد ذلك إلا دفعا للعمل على مسئولياتها ، واضطرابها فى الحياة إلى قوة خفية وتماسكا مع الأيام ، فكان نهارها جهدا وعملا ، وليلها  لاينام لها جفن فيه ، كانت لاتنام من الليل إلا القليل ، كل ذلك جعلها تحس احساسا قويا ، ولكنه غامض ، أن الأيام قد وفتها حظها وأنه جاء على غير ماتحب ، أو كما تمنت أن تراه ، فكان لها هذا مصدر ألم وحزن ، تعيشه وتقدره وتنتظره .
أمى ..

كلما لامسنى شريط ذكرياتك  تنساب منى العَبرات دفعا وتملأ جفونى ، رحمة ورأفة بمن معى وهم أحفادك ، رغم أنهم لم يروا وجهك قط ، ولكنهم عاشوا روحك ، وغاصوا فى أعماقك  دون أن تقع أعينهم على وجهك الجميل الصبوح ، فلا يمر يوم دون أن أتكلم فيه عنك ، فأنت الجزء الغائب من كيانى .. أمى كم تمنيت أن تكونين معنا بوجهك العطوف ليقاسمنا ــ كما كنا وكما كان عهدنا الدائم بك ــ لذة الأيام وقسوتها ، كم تمنيت أن يستمر حديثنا المسائى كل ليلة والذى كنا نصفو فيه مهما طال الليل بنا ولم يثقلنا أى هم ، ولم يضق بنا المكان ، وكان حديثا مطولا كله عن الذكريات .. ذكريات الماضى وأخلاقيات الناس وسماحتهم فيه ، ذلك ماتعلمتيه وعرفتيه وأخذتيه عنهم ، وها آنذا قد أخذته عنك . وأحيانا كنت أجلس الى جوارك على حافة السرير عندما أحس أنك متعبة ومجهدة  أشاركك ألامك فأحدق فى وجهك الأبيض الصافى المريح الذى لم تستطع سنوات التعب أن تنال منه وترسم تجاعيدها عليه ، كنت أسهر معك .. أرقب لك مواعيد الدواء .. وأراقب سكاناتك وايماءاتك  وأنفاسك حتى عينيك المغمضتين اللتان استمد قوتى منهما أشفق عليهما وأتمنى أن لو ظلا متفتحتين طول الوقت حتى أحس أن الدنيا تشرق لى وتبتهج ، استنشق عبيرها الذى لازمنى سنوات عمرى التى مضت ، كنت أحس كلما نظرت ليدك أن العمر الجميل يتسرب بين الأصابع .. والنبضات تتهاوى من عروقك .. تسحبه خيوط المرض اللعينة والأزمات المحكمة ، فأعود فى التو وأهرع إليك لأحضنك بشوق مرة أخرى كأنى أحضن الدنيا بين ضلوعى وأحثك مواصلة الكلام حتى أقتل الظنون التى تأخذنى وتردنى فى دوامات عميقة لانهاية لها  ، أمسك يدك فإذا بها باردة متشنجة اسمعك تئنين بحشرجة مكتومة من كثرة السعال انتظر حتى تهدئين وتنامين ، أنتظر ساعة وأقوم أمسك يدك مرة أخرى ولاأستريح حتى أحس أنها أصبحت دافئة وجبينك مبللا بندى رقيق يعود معه ملامحك عادية أقوم وأصلى شاكرا لله  مسبحا بحمده وشكره على عنايته الإلهية التى رحمت ضعفك ووهنك وحين أطمئن عليك أشعر بأن البيت عادت له سعادته ، وأنطلق منتشيا فرحا بعودة الأمل الجميل ليحتضن حوائطه من جديد . كان أجمل شيئ فى حياتى هو ترديد دعواتك لى بأن أكون مثلك محافظا على القيم والمبادئ ، وأن هذا خير من كنوز الدنيا ومافيها ، وكان منتهى أملك أن أكون لك عوضا فى هذه الدنيا عما جزعت فيه بالنسبة لأخى ، وعن ماحُرمنا منه من راحة البال التى ضاعت معالمها مع مشاكله الكثيرة التى كانت لاأول لها ولاأخر ، بل هى إرادة الله قدر وشاء ، وكنت دائما ماتقولين علينا بالصبر وهذا ابتلاء والذى عنده أبقى وأفضل ، وكان منتهى أملك أن ترى لى أولادا ، وكان وقتها أملا بعيدا رغم أننى كنت فى بداية عملى ، لكن طواحين مشاكل أخى كانت تحصد كل ماكنت أتقاضاه أولا بأول ، وكنت تحزنين على ضياع مقدراتى ، لكنى كنت دائما أثبتك وأقول لك إننا فى إبتلاء لانستطيع دفع شر ولا جلب خير ، وأن الزواج نصيب ، والأولاد رزق  وكلها من عند الله ، وليس أمامنا إلا الصبر .. الصبر وحده ، فإذا بك تهدأ نفسك ، وتذهب للسكينة وترددين عبارة واحدة فى تكرار دائم "الحمد الله "  لكن يابنى ماذنبك أنت  فى كل هذا ؟ وكنت أقاطعك وماذنبك أنت أيضا فى هذا ؟ إنها إرادة الله ومشيئته ولا رادا لقضائه.

لقد تبخرالحلم على تلك الصورة التى تبعث الأسى والحزن وأدركت أمى أن القدر شاء أن يجعل مكانها بين أحضان اليأس والشقاء ، وأن ماتعيشه هو بلاء وابتلاء ، وامتحان صعب رهيب ، وأن أحلامها فى أولادها لم تكن سوى سراب خادع كاذب ، فقد تقطع كل ماكان موصولا بينها وبين الأمل والرجاء ، والبيت الهادئ الجميل أصبح مبعثا لثورات صاخبة على أخى لسوء تصرفاته البغيضة والمتكررة ، وكلما احتد النقاش ــ وماكان أكثره ــ تعالت صراخها المكتوم بأنها مسئولة معه ومتضامنة فى هذا الخطأ لأنها لم توفق فى توجيهه وتربيتها له وهكذا استقبلت أمى حظها العاثر وتألمت بقدر ماتألمت ولم تجد بداً من الخضوع لمشيئة الله وترضى صابرة بما كتب لها ، ذلك أجدى وأبقى .
 
حتى جاء اليوم الذى كنت أخشاه ، أتذكر على خلفيته الليلة التى سبقته ، عدت فيها من عملى متأخرا قبيل وقت المغرب ، لم تهم كعادتها وتعد لى طعام الغذاء ، بل وجهت أختى لإعداده ، كانت جالسة على الأريكة فى بهو الصالة أمام التلفاز ولم تكن تشاهده ، جلستُ أمامها على المنضدة الصغيرة أتناول الغداء ، وكأن القدر أعد هذا المشهد على هذا النحو ، كانت عينى معلقة بها ، استوقفنى تماما استداراة وجهها الأبيض حتى أصبح كالبدر فى تمامه ومالت خدودها للون الوردى المائل للحمرة ، اتسعت عيناها ولمعت وراحت عنهما انكسارهما وروعهما ، أنفها دقيق مستو ، شفتاها ناضرتان متوردتان حتى بات وجهها كوجه طفلة لايتجاوز العشرين عاما . انعقد لسانى عن سؤالها عن سر هذا الجمال العجيب الذى لن ولم أر مثله قط فى حياتى ، وحدثت نفسى متسائلا : ترى هل من المستحيل أن يلتمس هذا الوجه اليانع أطراف السعادة ويتمرغ فى لفائف تلك الهناءة التى تمنتها فيتحقق لها كل الذى عاشت من أجله وسبحت فى أجواء دنياه حالمة ساهمة مثلما أراها الأن ، كلا ليس هذا بكثير على خالقها أن يُمن عليها به ، ويمنحها سعادة هى فى أشد الحاجة إليها. دخلت حجرتى بعد أن أكلت فنادتنى وأصرت أن أتناول بعض ثمار الفاكهة معها ونتكلم . أكلتُ ، ولكنها ظلت على حالها ساهمة ، لاتتكلم وكأنها سارحة فى دنيا غير دنيانا ، وكأن عداد كلماتها أصبح محسوبا عليها يعانى انحساره ، أجدها لاتتأوه من تعب ولم أسمعها تسعل ، دخلت سريرها وجعلت وجهها تجاه القِبلة وعيناها شاخصة فى اتجاه السماء عبر النافذة تنظر للقمر الذى أكتمل بدره ، وعم ضياؤه فى هذه الليلة وجاء فى أبهى حُلة ، يرسل نوره بسخاء فى كل أرجاء الحجرة فى تناغم رائع من وحى الطبيعة ، ظلت على هذا الوضع على غير عادتها ساهمة لاتتكلم ولم تسهب فى حديث المساء كما تعودنا حتى أدركنى المنام ، وكأن الحياة ألجمتها ، وتعجبت ، ألهذا الحد هى عازفة عن الكلام؟! وتعجبت أكثر حينما رأيتها على نفس الهيئة فى الصباح وكأن عينيها جافاهما النوم ، لم تشأ أن تحضر لى طعام الإفطار كما كانت تفعل كل يوم ، قبلتها وهى على هذا الوضع وكانت أخر كلماتها لى : خلى بالك من نفسك ، وذهبت لعملى غير أن ثمة شيئ جعلنى ألتفت لشرفة منزلنا بعد أن جاوزت عرض الطريق أمامه ، وتعلقت أنظارى بالشرفة ومسحت المكان بنظرة لم أدرك معناها ، وذهبت لعملى ، حتى جاءت الساعة الحادية عشرة ورن تليفون المكتب ، وجاء صوت أخى الصغير مهاتفا .. مخنوقا .. مذموما .. حاملا ماأكره أن اسمعه فى حياتى ويخبرنى  بأن أمك ماتت ، أمك ماتت ، تجمدت مكانى ، سقطت السماعة من يدى ، تاهت نظراتى الشاردة فى المكان ، تدفقت الدماء حارة إلى وجهى ، شعرت بدوار وقلبى كاد أن ينفجر ، لم اعد قادرا على متابعة زملائى وهم يتجمعون حولى لاستبيان الأمر ، سألونى ماذا حدث ؟ انكربت وانسابت الدموع من عيونى حارقة على وجهى المفجوع ، هرولت إلى أبى فى المسجد حيث كان منتظرا صلاة الظهر وأخبرته فأخذ يقلب كفا على كف مرددا : كيف حدث هذا ، ومتى ؟ إنا لله وإنا إليه راجعون ، يارب ، يارب وانسابت دموعه هو الأخر بهدهدة وغزارة ، أقلتنا سيارة من العمل وعلى طول الطريق لم أر شيئا أمامى ، المشهد تحول إلى جمادات ، ضقت بالشخوص و تحولت الأبنية فى عينى إلى ركام من رماد وكأننا فى عراء ، الطرقات ضاقت واصفرت فى عينى ، قرص الشمس أكفهر شق كبد السماء وتحول لجبروت رهيب سرعان ماأنفجر ، تناثرت شظاياه وملأت المكان ، لاتوجد ذرة من نسمة هواء على وجه الأرض ، فكل مافى الأرض والفضاء أصبح هامدا وغير قادر على الأنين ، وصرخات مكتومة تنطلق بلتياع داخلى وأرى الناس سامدون يتحركون أمامى بجنون بلا إرادة كأنهم تحرروا من كل قوانين جاذبية الأرض ، وأصبحوا هائمين متخبطين لايدرون إلى أين سيمضون ، كل شيئ عندى هان أحسست بمشاعرى تتبلد ، وأحسست بمرارة شديدة تزم حلقى والدموع تعتصر قلبى ، فبكيت بحرقة ولكن بصمت ، أخذت أقرأ بعض آيات من كتاب الله بتلعثم ، هل حقا بدأت أيام اليتم ؟! ، وهل سأجمع شظايا حياتى الثقيلة التى تفجرت منذ الأن وأحملها وحدى على ظهرى وأمشى منحنيا بها بقية عمرى . حدثت نفسى كثيرا فى حديث العراء حتى وصلنا للمنزل ، ودخلت عليها لأجد القلب الخفاق قد توقف ، والجسد المسجى يرقد بسلام وكأنها نائمة هادئة تحلم بالغد الذى لم ينصفها ولم يأت لها ، انخرطت مجهشا فى بكاء مستمر ، كم هو مفجع أن تغادر الروح جسد من تحب وتختفى من أمامك  ويشحب وجه العطاء وتذبل الشجرة المثمرة التى طالما شبعتنا من جُودها ، والأن تشرف على الجدب والفناء .. ذبل هذا الجسد الذى كان منارة تضيئ لنا البيت ويملأه بالحيوية والحنان والحب ، حدقت فى وجهها فإذا هو مبتسم مستدير مبلل بالعرق كأنه مسك ، قبلت جبينها وتخيلت بأن عينها اليمنى قد تفتحت ونظرت لى لدرجة أن الشك ساورنى بأنها لم تمت ، تحسست خدها وارتعشت أصابعى وسرت فى جسدى قشعريرة باردة وتمنيت أن يخترقنى الموت بدلا منها ، انحنيت عليها وعانقتها مرة ثانية ، وجلست على حافة السرير مثلما كنت أجلس عندما نتكلم ، قبلتها من جبينها قبلة طويلة ، سمعت صوت خلفى ينادينى ويحثنى أن أرحم نفسى ؟ ولكننى لم أدر ماحولى وأصغيت لتراتيل عروس السماء وهى تُزَف فى موكب مهيب ، أنها الأن أصبحت ملكا لخالقها ، استرد وديعته ، أصغيت لحكمة الله والكون كله معى يصغى ، أنها ماتت وهى تبتسم كالملائكة . رافقتها فى سيارة دفن الموتى وجلست بجانب نعشها  ثم مشيت وراءه وحتى اللحظات الأخيرة للدفن ، إننى غير مصدق أن هذا الجسد النبيل ستغيبه الأرض وسيوارى التراب والظلام بعد قليل ، ولو علىّ لأنطلقت أجرى حتى أصل لقمة جبل المقطم الشامخ أمامى وأرسل من فوقه صرخة مدوية أملأ به فضاء الكون الفسيح  ، ثم أنكفئ على الأرض مستسلما  هامدا دون تفكير ، لاجدوى من التفكير . انتهت مراسم الدفن ، وانتهى معه كل شيئ .. كل شيئ . ، ومكثت بجانب القبر أقرأ لها القرآن وابتهل لها بالدعوات ، وعدنا إلى البيت ألملم الجراح ، مضت الشهور الاولى وانا على حالى مذهول أرفض الواقع المر وأحلق بالخيال ، تطالعنى صورتها أمامى تعذبنى ، أناجيها .. تطاردنى فى اليقظة والمنام .. وأوقات الليل والنهار واستمتع بالعذاب ، وتتدفق كل الذكريات ، يالها من دنيا ، أمى تحولت لذكرى.. مجرد ذكرى ، تصول وتجول داخل رأسى ، أمى أصبحت فكرا فقط ، أحيانا أهرب منه محاولا  تفادى مداومة النظر إلى عينيها ، لكن ثمة شيئ يجذبنى إليها تلقائيا وكأن روحها حية تحاكينى .. تخاطبنى .. تبوح لى بحكاياتها الكثيرة وتطول جلساتنا على أريكة المشاعر بجوار الشرفة حتى يدركنى وقت الفجر، أبكى فتبتل الوسادة بدموعى ، أقوم للصلاة حريصا كل الحرص على أن أبث دعواتى لها وأنا ساجد لله .


ذهبت ياأمى وبقيت المشاكل وتهنا معها وأتذكر أن أبى أخذ يبكى عليك كالطفل الصغير وأحس بالضياع من بعدك ، وتوالت الأحداث ومات أخى مجدى فجأة وتوقفت  مشاكله ، ولكن عانيت لفترة من أثار توابعها، وأبتليت مثلك تماما ، ولكن مااكتنزته من دعواتك شاءت مقدرة الله أن تكون لى تجليات احتوتنى ، واحسست بأنفاسك موجودة معى وحولى تحمينى عند الشدائد ، وتجلت قدرة الله فى حل كل توابع مشاكل أخى وغمرنى الله عز وجل بوجوده معى بآياته .. شعور بإحساس اليقين هدانى إلى بر الأمان دون حيلة منى أو تدخل من أحد ، شعور لاأستطيع وصفه ، ولكننى عشته برحابة واتساع أفق الشفافية وجمال التجليات الربانية ، وكله كان بفضل دعواتك ودعوات أبى رحمة الله عليكما ، فلا أملك لكما من الله إلا الدعاء بكل العفو والمغفرة والرحمة والسكينة والمنزلة العليا فى الجنة .




أمى .. ياأجمل كلمة رددتها اعماقى .. يانهر متدفق من الحب ، فلا أحد فى هذه الدنيا سيحبنا أكثر منك ، فأنت الشخص الوحيد من كل الناس الذى يحبنا بلا مقابل ، حبا حانيا دافئا وصافيا ، لاحدود له ، أنت النهر العذب من الحنان الذى لاينتهى ولاينضب أبدا ، فحب الأم مستمد من حب الله سبحانه وتعالى وجزء من رحمته وحنانه وعطفه ، مهما قلت فلن أوفيك حقك ، فأنت التى علمتينا معنى الحب والترابط ، وكيف يكون الإنسان إنسانا ، وكيف يكون الإنسان قويا مع نفسه حلوما عطوفا مع الآخرين ، وأنت التى علمتينا أن أرفع الرسالات فى الدنيا هو بناء الإنسان ذاته .. إنسان المبادئ والمثل العليا ، والأخلاق الحميدة .. علمتينا هذا بسليقتك وفطرتك وبنظرتك الثاقبة للأمور وبحسك الواعى القوى ، إننى لازلت أردد فى أعماقى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عندما ماتت أم أحد صحابته حيث قال له : " يافلان لم يعد لك أحد فى الدنيا " فسأل الصحابى الرسول : كيف يارسول الله حتى أنت ؟ فقال له الرسول الكريم : " حتى أنا " .


أمــــــــى

توحشت فى غيابك عنى كل لحظة            

                                     منذ أن ايقنت أنك لست بمؤنسى

فليس فى قربى منك سوى تبدد وحشتى      

                                       وماأكثرها وحشة بعدك لاتتبدد

والله لاأجدنى إلا قلبا شيك بشوكة                

                                  لا تنزع حتى ولو فار دمى وفاضت مدامعى

وإن قلت أبصرها فى كل ركن كان لها متكأ    

                                      قيل كيف وقد حال الموت عين بصيرتى

والله إنها تجلت منى حتى بدت                 

                                     وكأن البعث فى الدنيا لم يكن بمعجز

فأيقنت أن أمى منى لم تمت                         

                                     إنما هى رمز العطاء بقلب شامخ

ستبقى أبدا ياأمى بنفسى  كامنة


                                     حتى يدركنى الممات  فتذهب

أمى .. سلام الله عليك .. حيث أنت .. آمين